
توماس فريدمان
وفّر لي تجوالي عبر أرجاء البلاد خلال الشهور الخمسة الماضية، بينما كنت أعكف فيه على استكمال كتابي الجديد، فرصة لجس نبض الشعب الأميركي، بعيداً عن ضغوط وزحام الحملات الانتخابية. وهذا النوع من استطلاع الرأي غير العلمي تماماً، هو ما جعلني أشعر أنه إذا ما كان ثمة جوع شديد لشيء ما في هذا البلد هذه الأيام، فهو بالتأكيد جوع الشعب الأميركي لبناء الأمم. نعم، بناء الأمم... لكن ليس في الخارج، وإنما في الداخل.
الشعب الأميركي لم يعد يحس بالإرهاق فقط بسبب انخراطه في بناء الأمم في العراق وأفغانستان، والذي لم يحقق عائداً يذكر حتى الآن، وإنما أصبح يشعر بشيء أعمق من ذلك بكثير، وهو أننا- معشر الأميركيين- لم نعد على ذلك القدر من القوة التي كنا نعتقده عن أنفسنا. فنحن نقترض الأموال لدعم بنوكنا وحمايتها من "دبي" و"سنغافورة"، وجنرالاتنا العسكريون يقولون لنا دوماً إن إيران تعمل على تخريب جهودنا في العراق، وإنهم غير قادرين على وقفها، لأنهم لا يمتلكون قوة كافية بسبب تورط قواتهم في بغداد، وارتباط اقتصادنا بنفط الشرق الأوسط.
وكانت آخر مبادرات الرئيس بوش في مجال الطاقة، ذهابه إلى السعودية مستجدياً الملك عبدالله أن يمنحنا خصماً على أسعار البنزين. ومع أنه كان لديه بعض المبررات، فإن ذلك لا يمنعني من أن أسأله: عندما تطالب يا سيادة الرئيس الأميركيين، بعد الحادي عشر من سبتمبر، بالذهاب للتسوق كما يشاؤون، بدلاً من مطالبتهم ببذل قصارى جهدهم للتخلص من إدماننا على النفط، فإن الحال كان لا بد أن ينتهي بك إلى الطواف في أرجاء المعمورة بحثاً عن بنزين يمكنك شراءه بسعر مخفض.
إننا لم نعد أقوياء كما اعتدنا، لأن قيم الآباء، متمثلة في العمل، والدراسة، والادخار، والاستثمار، والتقشف... حلت محلها ثقافة الرهن العقاري!
إننا لم نعد أقوياء كما اعتدنا أن نكون، لأن القيم الآسيوية التي كان يتمسك بها آباؤنا، ومتمثلة في العمل الشاق، والدراسة الدؤوبة، والادخار، والاستثمار، والعيش في حدود المتاح... اختفت وأخلت مكانها لثقافة الرهن العقاري ومتمثلة في الاعتقاد بأنك تستطيع تحقيق الحلم الأميركي، عبر امتلاك المنزل الذي تريد وتتمنى، دون أن تدفع أي مقدم مالي!
لعل هذا تحديداً هو ما جعل الحجة التي استخدمها وزير الدفاع السابق "دونالد رامسفيلد" في معرض تبريره لعدم إرسال عدد كاف من القوات إلى العراق بداية الغزو، تصبح من الأقوال المأثورة هذه الأيام. كانت حجة رامسفيلد هي أنه: "يمكنك خوض الحرب بعدد القوات المتوافر لك". قياساً على هذه الحجة، يصح القول إنه بمقدورنا "التحرك نحو المستقبل بالبلد الذي لدينا"، وليس بالبلد الذي نحتاجه، وليس بالبلد الذي نريده حقاً، بل وليس بأفضل بلد يمكن أن يكون لدينا.
منذ عدة أسابيع، استقللت أنا وزوجتي الطائرة من مطار "جون إف. كنيدي" بنيويورك إلى سنغافورة. في قاعة الانتظار بمطار كنيدي لم نعثر على مقعد للجلوس إلا بصعوبة، لكننا بعد خمس عشرة ساعة من الطيران وحين هبطنا في مطار سنغافورة فائق التطور، والمزود بخدمات الإنترنت للركاب، وبأماكن للعب الأطفال في كافة أرجائه... شعرنا كما لو كنا قد انتقلنا من العصر الحجري إلى ما بعد القرن الحادي والعشرين.
ما الذي حدث لنا؟ لقد قالت "درو فاوست" رئيسة جامعة هارفارد في جلسة استماع لمجلس الشيوخ الأميركي، إن التخفيضات التي تم إجراؤها في مخصصات البحث العلمي الحكومي، "أدت إلى جعل المختبرات أصغر حجماً، وإلى الاستغناء عن خدمات الكثيرين، وإلى تدني الروح المعنوية، وإلى علم محافظ ينأى بنفسه عن الأسئلة البحثية الكبرى".
لقد كُتب الكثير من الهراء عن الطريقة التي تحاول بها "هيلاري كلينتون" جعل "باراك أوباما" مرشحاً أكثر صلابة وخشونة حتى يستطيع الصمود أمام هجمات "الجمهوريين". عفواً، نحن لسنا بحاجة لرئيس يكون على درجة من الصلابة تمكنه من احتمال أكاذيب خصومه، وإنما نريد رئيساً صلبا بدرجة تمكنه من قول الحقيقة للشعب الأميركي.
لكن من سيقول الحقيقة للشعب؟ من سيقول له إننا لم نعد كما كنا نظن أنفسنا، وإننا نعيش على وقت مقترض، وعلى أموال مقترضة. صحيح أننا لم نزل نمتلك كافة إمكانيات التقدم والعظمة، لكن التقدم والعظمة لن يتحققا إلا إذا ما عدنا إلى تركيز عملنا وجهودنا من أجل بلدنا.
لست أدرى ما إذا كان أوباما قادراً على أن يقول ذلك للشعب أم لا، ولكن الشيء الذي أدركه تماماً أن ذلك الرأي القائل بأن ذلك الشعور بـ"المثالية" الذي كان "أوباما" قادراً على إلهامه لأعداد كبيرة من الشباب ليس مهماً، هو قول خاطئ تماماً.
فكما يقول "تيم شرايفر"، رئيس الأولمبياد الخاص، فإن "الأمل وحده ليس كافياً... بيد أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنه تافه أو لا يساوي شيئاً. من الخطأ القول إن إلهام الشعب، ودفعه للنهوض، وإنجاز شيء بالتعاون مع شعوب أخرى هو عمل تافه". ويضيف شرايفر: "هو ليس تافهاً الآن على وجه الخصوص لأن هناك ملايين الأميركيين الذين يتحرقون شوقاً لتجنيدهم. تجنيدهم من أجل حل مشكلة التعليم، ومن أجل إجراء أبحاث حول الطاقة المتجددة، ومن أجل إصلاح البنية التحتية، ومن أجل مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم. انظروا إلى الشباب الذين يصطفون من أجل الالتحاق ببرنامج التعليم من أجل أميركا، إن هؤلاء الشباب يريدون أن تصبح بلادنا ذات أهمية مرة أخرى، إنهم يريدون منها أن تعود لتكون دولة تبذل جهودها من أجل تكوين الثروة وبناء الكرامة وتكوين الأرباح الطائلة وتحقيق الأهداف العظيمة". التسميات: Writers |
تعليقات القراء: