بقلم الكاتب : بوخروفة عمار
المشهد الثاني :
يرتفع الستار فوق المسرح، تظهر قاعة للعرش على جانبي كرسي العرش يقف طفلان و كأنّهما ينتظران ملكًا تكون الإضاءة قوية حتّى يظهر كل من في قاعة العرش.
أمام كرسي العرش وضع سجّاد أحمر مثل السجّاد الذي يمشي فوقه الملوك عادةً و على حافة كرسي العرش و في أعلاه تمّ تطريز تلك الحواف بمختلف أنواع الأزهار.
بعد قليل يسمع صوت الموسيقى عاليًا منذرةً بقدوم ملك أو أمير و بعد ذلك يسمع صوتًا ينادي عاليًا مولاتي جلالة الملكة ياسمين، فينهض كل من كان جالسا في قاعة العرش إجلالا لدخول ملكتهم ثمّ بعد ذلك تظهر الملكة ياسمين في لباس الملوك و التاج فوق رأسها و هي تمشي إلى حيث وضع كرسي العرش بخطًى ثابتة تدل على العظمة و الوقار. تصل إلى كرسي العرش حيث تجلس عليه ثمّ تلوّح بيدها إلى من في قاعة العرش بالإستقامة. ثمّ بعد ذلك يجلس كل من كان واقفا بعد أن تأذن لهم ملكتهم.
بعدأن تجلس الملكة فوق عرشها تبقى تلوّح بعيناها إلى الحاضرين و كأنّها تبحث عن شخص ما تفتقده؛ بينما هي في تلك الحالة إذ يقاطعها أحد مستشاريها قائلاً:
أرى القلق في أعين صاحبة الجلالة فهل تبحث عن شخص معين ؟
الملكة ياسمين : لقد صدقت لقد لاحظت غياب السلم عن مجلسنا و إنّي أسأ ل عن سبب تأخّره لحضور مجلسنا
فهو لم يتأخر يومًا عنّا و عن الجلوس في مجلسنا فأنا لا أحبّ أن أرى كرسيّه فارغًا.
المستشــار : لا داعي لهذا القلق ياصا حبة الجلالة فما غياب السلم عن مجلسك إلا حماية لمملكتنا فهو خارج أسوار مملكتنا باسطًا جناحاه الكبيرتان على مملكة مولاتي حتى يعيش من بداخل المملكة في سلام واطمئنان.
الملكة ياسمين : إنني أنزعج لغيابه عن مجلسنا فأنا أحسّ بالأمان و هو معنا.
المستشار : إن أرادت صاحبة الجلالة بعثنا له رسولا للحضور فورًا إلى مجلسك .
الملكة ياسمين : لا لا داعي لأن تفعل ذلك لأنّ السلم لا يحتاج إلى رسول لكي يحظر مجلسنا فهو يصل إليه إحساسنا بالحاجة إليه من دون أن تفعل ذلك.
بعد ذلك يدخل فارسًا يرتدي لباسًا أبيضا و يحمل بيده سيفا كثير اللمعان و عند دخوله إلى قاعة العرش ينحني إجلالا لتحية الملكة فتقاطعه هي قائلة.
الملكة ياسمين : (بعد أن تنهض على كرسي العرش و يتبعها الجميع في ذلك تقول) : لا تنحني أيها السلم فليس مثلك من ينحي لأحد فنحن من يجب أن ننحي إجلالا لك و بما قدّمته لنا و لمملكتنا من أماني و طمأنينة ننعم بهما في هذه المملكة الامنة ( ثمّ تنحي و يتبعها الجميع في ذلك).
السلم : إنما أنحني إجلالا لك و لسماحك لي بالعيش داخل مملكتك العظيمة و لم تسمحي لا للحرب و الشر بدخولها؛ فهذا ما يجعلني أنحني إجلالا لحكمتك و تسامحك يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين :على ذكر الحرب و الشر فأنا أدعوك أن تحضر محاكمة عادلة تتمنّى حضورها.
السلم : في حق من تكون هذه المحاكمة يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : سوف أترك ذلك مفاجأةً إلى بعد حين و حتّى أنته من برنامج عملي المقرّر هذا اليوم.
ثمّ تنادي على الحاجب أيها الحاجب ما هو برنامج عملنا لهذا اليوم.
الحاجب : ( بعد أن يقوم بإخراج رسالة ) برنامج مولاتي هو كالآتي.
تقيد مستشارك الأول وسام العقل المدبّر داخل المملكة و تقليد المستشارا الثاني وسام الحكمة .
ثمّ تنظر إليهما ثمّ تبتسم و هي تقول : إنكما تستحقاني تلك الأوسمة فهذا أقل شيء أستطيع أن أعبّر لكما به عن إعجابي بما تقدّمونه لي من نصائح و إرشادات.
فمنذ اليوم ( و هي تشير إلى مستشارها الأول ) فلقد أطلقت عليك إسم العقل.
المستشار الأول : ( العقل) إنه لشرف عظيم أن تطلق علي جلالتكم هذا الإسم ؛ فكل ما أتمنّاه هو رضاء صاحبة الجلالة عن النصائح و الإرشادات التي أقدّمها.
الملكة ياسمين : رضانا يكمن في حسن التدبير و التسيير و نوعية الإرشادات التي نسمعها حتّى نتمكن جميعا من حماية مملكتنا من غزو الأعداء و الطامعين فيها من الكبار اللذين يريدون الإستلاء عليها زعما منهم أنهم لا يستطيعون العيش دوننا .
(ثم تنظر إلى المستشار الثاني و تقول ) أمّا أنت فمنذ اليوم فلقد أطلقت عليك إسم الحكمة تقديرًا منّا و إعجابنا بحكمتك و فطنتك.
المستشار الثاني ( الحكمة ) العفو يا صاحبة الجلالة فلن أكون أنا أقل إخلاصا و وفاءًا من العقل لك يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : هذا ما نتمنّاه نحن أيضا أمّا مانطمح له هو الوحدة في كل شيء عقل واحد و حكمة واحدة و سلام مخيّم بجناحيه على مملكتنا .
بعد أن تكمل هذه الجملة يدخل الحاجب و هو يقول
الحاجب : بالباب من يطلب الإذن بالدخول يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : من يكون ؟
الحاجب : إنها طفلة تحمل باقة من الزهور تدعى فاطمة تقول إنها صديقتك.
الملكة ياسمين : ( تقف من على كرسي عرشها و علامات الدهشة بادية على وجهها و هي تقول :
فاطمة !! دعها تدخل في الحين و إياك أن تمنع طفلا من مملكتنا يريد الدخول إلى بلاطنا و الجلوس في مجلسنا. هيّأ إنصرف و أذن لها بالدخول فورًا و لا تنسى أن تعتذر منها .
الحاجب : السمع و الطاعة يا صاحبة الجلالة ثمّ ينصرف.
بعد قليل تدخل فاطمة و هي تحمل باقة من الزهور و حيث تتجه مباشرةً إلى حيث يجلس السلم ثم تنحني إجلالا له و هي تقول.
فاطمة : لقد قطفت هاته الباقة خصّيصا لك أيها السلم فلا أظنّ أنه يوجد في الكون من هو أعزّ و أقرب إلى قلبي منك.
في تلك اللحظة بقاطعها أحد الجالسين في بلاط الملكة و هو يقول : و يحك كيف تجرئين على قول هذا فجلالة الملكة هي التي سمحت للسلم بالعيش داخل مملكتها معزّزا مكرّما حيث لا حرب و لا شر.
الملكة ياسمين : ( بعد أن تنظر إليه ) دعها تقول ما تشاء و لا تقاطعها فهي أصدق منّا نحن جميعا في مشاعرها البريئة التي تكنّها للسلم فما تفعله فاطمة ما هو إلا شيء بسيط تحاول أن تحقق به أحلامها التي لم تستطع تحقيقها في قريتنا حيث كنّا نسكن مع الكبار و نعيش الحرب و الدمار.
فاطمة : إنك أكثر مني فهما فيما أقوم به يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : أجل يا فاطمة إنني أفهمك؛ إنك تحققين بذلك حلمك الذي لم تستطيعين تحقيقه في دنيا الكبار.
و لكن قولي لي من أين اخترت باقتك الجميلة التي أهديتها للسلم.
فاطمة : إنها زهور يا صاحبة الجلالة قطفتها من حدائق مملكتك العظيمة.
فمنها من جمعتها من حدائق الحرية و بعضها من حدائق البرائة و أخرى من حدائق الحب؛ و على العموم فأكثرها قطفتها من حدائق الحب و الحرية.
الملكة ياسمين : لقد أحسنت اختيار باقتك يا فاطمة فلربما لا أجد في مملكتي من هو أحق بك بالإعتناء بتلك الحدائق الموجودة داخل مملكتنا العظيمة.
فاطمة : إنه لشرف لي أن أكون حارسة لتلك الحدائق، فإنك يا مولاتي أكثر فهما للشعور الذي أحمله للسلم و كذلك الحب الذي أحمله لأزهار الحرية و البراءة.
الملكة ياسمين : إمضي يا فاطمة و مرّة ثانية لا أريدك أن تطلبي إذنا للدخول إلى بلاطنا و حاولي أن تعتني جيدا بتلك الحداءق فهي بمثابة كنوزا في مملكتنا.
فاطمة : ( و هي تهم بالإنصراف ) لا أريد أن توصيني صاحبة الجلالة بما هو أقرب إلى قلبي.
الملكة ياسمين : رافقتك السلامة با فاطمة و وفقك الله بما تحلمين دائما.
بعد ذلك يظهر على وجهها فجأةً نوعًا من القلق و الحيرة فيقاطعها العقل و هو يقول
العقل : أرى القلق و الحيرة تعاود ملامح وجهك يا صاحبة الجلالة
الملكة ياسمين : أصبت فطيلة البارحة لم أغفو و لو للحظة واحدة فهناك أخبار و صلتني من خارج مملكتنا تصف لي و ضعية الأطفال هناك
الحكمة : ارجو أن تكون اخبارًا سارة يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : كيف يمكن أن تكون أخبارًا سارّة و أنا أسمع بأنّ أطفالا ما زالوا يعيشون مع الكبار و لم ينظمّوا بعد إلى مملكتنا التي أسّسناها من أجلهم.
الحكمة : إن هذا لا يدعو إلى كلّ هذا القلق و الخوف فكل أطفال العالم يحبون الإنظمام إلى مملكتم لكنّهم ربّما لا يعرفون الطريق إليها. .
الملكة ياسمين : ليس هذا كل ما يقلقني فحسب. .
العقل : إذًا فما الأمر الذي ترك صاحبة الجلالة يبدوا على وجهها كل هذا القلق و الخوف. .
الملكة ياسمين : إن بعض الأخبار التي و صلتني تصف حالة الأطفال في كل من افريقيا و بلاد الهند. .
الحكمة : فكيف كان الوصف يا صاحبة الجلالة. .
الملكة ياسمين : إن الكبار في جنوب افريقيا أصبحوا يزجّون بالأطفال في معاركهم الطّاحنة هناك و يقومون يتعليمهم لغة الحرب و العنف بدل لغة السلم و المحبّة.
العقل : يا للكارثة إنهم حقا أناس مجانين كيف لهم أن يدخلوا أطفالهم في معارك لا ذنب لهم فيها و يعلمونهم لغة القتال و الدمار. إنهم حقا أبرياء و يجب مساعدتهم فورا.
الملكة ياسمين : هذا لا شيء أمام أطفال الهند أيها العقل فهؤلاء مأساتهم أكبر من مأسات أطفال جنوب إفريقيا فإذا قدّر لأطفال جنوب إفريقيا الموت أثناء القتال فهم يموتون مرّة واحدة أما أطفال الهند فهم يموتون في اليوم ألف مرّة.
العقل : كيف ذلك يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : إنني أعني بالظبط أولائك الأطفال الذين يعملون في مناجم الفحم مدّة إثنا عشرة ساعة تقريبا مقابل رغيف خبز لا يسمن و لا يغني من جوع أو بعض النقود التي لا تستطيع سدّ حاجاتهم اليومية.
العقل : إنها حقا لكارثة فكيف يستطيع طفل أن يعمل في مكان مئة رجل و يكافيء في الأخير بهذا العطاء البخس فالأمر فعلا يدعو للحيرة و القلق.
الملكة ياسمين : تنظر إلى السلم و هي تقول ما قول السلم فيما سمع و لماذا أراه صامتا لا يشاطرنا الحديث.
السلم : إنني أعلم بحالة هؤلاء الأطفال يا صاحبة الجلالة و لكنّك كما تعلمين جيّدا إن هؤلاء الصعار الذين جندوا في معارك لا ذنب لهم فيها لا يستطيعون التخلّص مما هم فيه إلا إذا وجدوا مساعدة من أحد.
الملكة ياسمين : أطمع في أن تحقق لي أنت ذلك أيها السلم.
السلم : كيف ذلك ؟ و أنت تدركين مسبقا أنني لا أستطيع أن أكون في مكان فيه الحرب مسيطرا فأطفال جنوب افريقيا يخوضون حروبا بجانب الكبار فكيف تطلبين مني مساعدتهم و الحرب و الشر منغرسين في تقكيرهم و ذواتهم.
الملكة ياسمين : إنني أدرك ذلك جيدا بأنك لا تسطيع أن تكون في مكان يكون فيه الحرب هو المسيطر على عقل الكبير و الصغير سواء.
السلم : إذن فكيف بإمكاني مساعدتهم.
الملكة ياسمين : أن ترسل بجنودك من حمام السلام الذي يعيش بمملكتنا أو أن تدخل أنت بنفسك إلى أحلام هؤلاء الأطفال حتى تمسح من على أعينهم و عقولهم تلك الغشاوة السوداء التى جعلتهم يعتقدون أن الحياة ما هي إلا حروب و معارك و البقاء للأقوى.
السلم : لا لا ! لا أستطيع أن أرسل أبنائي إلى حيث يكون الحرب و الشر أخاف أن يصيب أحدهم بأذى.
و لكنني أستطيع أن أسري إلى عالم أحلام تلك الطفولة البريئة و أمسح عنهم تلك الغشاوة السوداء التي تغطّي عقولهم و إرشادهم إلى طريق مملكتك العظيمة حيث السلم و المحبّة.
الملكة ياسمين : هذا ما كنت أريد سماعه منك أيها السلم. أمّا فيما يخص أطفال الهند فسوف أذهب أنا بنفسي لتحريرهم من عبوديتهم و أعود بهم إلى حيث مملكتنا.
ينهض الجميع و هم في حيرة لما سمعوه و بعد لحظات صمت و الدهشة يبدأ العقل في الكلام.
العقل : لا نستطيع أن نتركك تخوضين هذه المغامرة لوحدك، فلربّما تتعرضين لخطر ما أثناء رحلتك يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : لا تخف أيها العقل فأنا أعلم جيدا الأخطار التي تترقبني.
السلم : إذا سمحت لي صاحبة الجلالة بأن تترك ذلك الأمر لي فبإمكاني أن أرسل أبنائي من جنود السلام إلى حيث يكون هؤلاء الأطفال فلربّما عند رؤيتهم لذلك الحمام و هو يطير حرّا أمام أعينهم يحيي فيهم شعورهم المدفون في نفوسهم بالحرية و الأمان فبهذا يستطيعون كسر قيودهم و الهروب من الجحيم الذي هم فيه و الإنضمام إلينا إلى حيث مملكتك العظيمة.
الملكة ياسمين : نعم الرأي ما رأيت أيها السلم.
السلم : كما أن تسيير شؤون المملكة يحتاج إلى ملكة عظيمة تتميّز بصفاتك.
الملكة ياسمين : أنت على حق أيها السلم سوف أترك الأمر بين يديك.
السلم : أرجوا أن أكون عند حسن ضنّك يا صاحبة الجلالة.
الملكة ياسمين : أيها الحاجب هناك بر نامج عملي شيء مهم يجب أن تسمعه للجميع.
الحاجب: الشيء المهم هو المحاكمة في حق الحرب و الشر و الحصار.
السلم : (بعد سماع ذلك ينهض السلم و يحاول الخروج من بلاط الملكة و هو يقول) لا أريد أن أكون في مكان يكون فيه الحرب يا صاحبة الجلالة فإنّ ذلك يجعلني أعيش في تناقض مع نفسي فهل سمعتي يوما أن الحرب و السلم اجتمع في مكان واحد حتى و لو كان ذلك المكان هو مكان للقصاص.
الملكة ياسمين : إنني أفهم شعورك أيها السلم نحو عدوّك و لكن ما تقوله لا يمكن أن يتحقق في عالم الكبار و لكنّك تعلم جيدا بأن مملكتنا هي في أحلامنا و قلوبنا فلا مانع عندي أن يجتمع السلم و الحرب لكي تحاسبه عمّ اقترفت يداه في حق الأطفال الأبرياء.
السلم : إذا كان هذا ماتراه صاحبة الجلالة فلا مانع عندي من حضور هاته المحاكمة.
الملكة ياسمين : أيها الحاجب أدخل الجناة الثلاثة.
بعد ذلك يقوم الحاجب بإدخال ثلاثة رجال أشدّاء مكبّلين بالسلاسل أحدهم يمثل الحرب و الأخر يمثل الشر أما الثالث فهو رجل طويل القامة قوي البنية مغطّى جسده بالحديد كما وصفته فاطمة من قبل و هو يمثل الحصار.
الملكة ياسمين : قبل أن تبدأ المحاكمة أريد منك أيها الحاجب أن تقوم بالبحث عن فاطمة في حدائق مملكتنا و ان تأتي بها في الحين حتّى تتمكن هي أيضا من القصاص من الحرب و الحصار فما أحوجها المسكينة إلى هذه اللحظة الثمينة. يخرج الحادب ثمّ يرجح على جناح السرعة و برفقته فاطمة.
فاطمة : لقد بعثتي في طلبي يا صاحبة الجلالة عساه خيرا إن شاء الله.
الملكة ياسمين : كل الخير يا فاطمة لكنني أحببت أن تحضري محاكمة عادلة كنت تحلمين بها منذ أن كنا في مدرسة السلام في قريتنا.
فاطمة : محاكمة ! و في حق من ؟ لا أضنّ أنه يوجد في مملكتنا من يقترف ذنوبا يستحق أن يحاكم لأجلها.
الملكة ياسمين : أطلب منك فقط أن تنظري خلفك إلى هؤلاء الجناة و حاولي التعرّف إليهم إذا استطعت.
فاطمة : تدور خلفها ثمّ تقول من هؤلاء يا صاحبة الجلالة؟
الملكة ياسمين : حدّقي جيّدا ألم تتعرّفي على أحدهم أو لم تصفي لي أحدهم من قبل عندما كنّا في قريتنا خاصّة هذا الجاني الذي جسده مغطّى بالحديد.
فاطمة : (بعد لحظة صمت) أجل أجل أظن أنه الحصار كما وصفته لك و هذا هو الحرب أيضا كما كنا نصفه من قبل أمّا هذا (و هي تشير باصبعها إلى الرجل الثالث) فلم أستطيع التعرّف إليه و لا أظنّ أنني و صفته لك من قبل.
الملكة ياسمين : هذا الذي أشرت له هو الشر يا فاطمة و قد حاولوا البارحة التسلّل إلى مملكتنا و لكن حرّاسنا كانوا يقظين حيث استطاعوا القبض عليهم لمحاكمتهم أمام الجميع.
ثم تنظر إلى الجناة و هي تقول تكلّم أيها الحرب و قل لنا لماذا تفعل بأطفال قريتنا ما تفعله من تقتيل و تعذيب، و لماذا تقوم بقصفنا بقنابلك المروّعة حتى تزرع الموت و الدمار داخل نفوسنا، هيّا تكلم و قل لنا ما هي حجّتك في ذلك.
الحرب : لست أنا يا صاحبة الجلالة الذي يوسوس في نفوس الكبار و يزرع في نفوسهم حب التسلط و الزعامة حتى يفعلون بأطفالكم ما يفعلونه.
الملكة ياسمين : و من هو إذن؟
الحرب: إنه الشر يا صاحبة الجلالة هو الذي يوسوس للكبار حتى يتملكهم حب التسلط و الخوف من أن تزول زعامتهم فيقومون بصنعي حتّى أرميكم بقنابلي دون أن أفرّق بين طفل و آخر.
الملكة ياسمين : ماذا تقول فيما سمعت أيها الشر.
الشر : الإنسان يا صاحبة الجلالة ميزه الله عن غيره من الكائنات الأخرى بالعقل فإذا ما استخدم عقله في الخير يصبح الخير صديقه و ابتعد ت أنا عنه أمّا إذا أراد أن يستخدمه في غير الخير فهو يبحث عنّي فيستخدمني في أغراضه الدنيئة كالقتل مثلا.
. الملكة ياسمين : ما هو رأي السلم في ما سمع؟
السلم : أظن أن الكبار مخيرين و ليسوا مسيرين و لديهم عقول ناضجة يستطيعون بها التفرقة بين الخير و الشر.
الملكة ياسمين : صراحة أنا لا أدري أين تكون ضمائرهم عندما يقومون بغزو ديارنا و قتل أطفالنا دون أدنى شفقة.
الحكمة : إنهم يقتلون ضمائرهم يا صاحبة الجلالة في تلك اللحظة فلا يحسّون بتأنييبها عمّ اقترفت أيديهم.
الملكة ياسمين : صدقت أيها الحكمة إنهم أناس لا يحملون في أجوافهم ضميرا حيّا يحاسبهم عمّا يدبّرون ضد الأبرياء و العجزة. ثمّ تنظر إلى الحصار و هي تقول و أنت أيها الحصار ما هي حجّتك في تجويعك لصغارنا و تركهم يموتون جوعا لا يجدون حتى الخبز اليابس ليأكلوه و لماذا تحرق الزرع و تقتل أبقارنا و فوق هذا تمنع علينا دخول الحليب و الأدوية لمرضانا تكلّم ما هي حجّتك فيما تفعله بنا؟
الحصار: ليس ما لدي ما أدافع به عن نفسي يا صاحبة الجلالة فالكبار هم من يصنعونني زعما منهم أنهم يعاقبون الدول التي إخترقت القانون و هدفهم في ذلك هو صنع السلا م في المنطقة التي يفرضونني عليها.
السلم : يقف و هو يتملكه الغضب و يقول تبّا لك و لهم و لما اقترفت أيديهم كيف يستطيعون صنعي بتجويع أطفال أبرياء لا ذنب لهم في لعبة الكبار.
الحصار: لا تلقي علي اللوم أيها السلم فو الله أنني لا أستطيع التمييز بين هذا التناقض في عالم الكبار فكيف يضعوني لتجويع الأطفال و العجزة إدّعاءًا منهم صنع السلام في تلك المنطقة التي أفرض عليها.
الملكة ياسمين : لا تقسم أيها الحصار فمن يقوم بتجويع الأطفال و العجزة لا يعرف قسمًا أو يمينًا.
الحصار : و لكنني أردت فقط أن أوضح لكم شيئا مهمّا و هو انني لست مسؤول عن قتل الأبرياء و جعلهم يموتون جوعا و إنّما المسؤولية الكاملة تقع على عاتق هؤلاء الكبار الذين يحاولون تسيير العالم و السيطرة عليه.
الملكة ياسمين : ما قول العقل فيما سمعه.
العقل : إنني أرى الصواب فيما سمعته من الحصار فالمسؤولية الكاملة تقع على عاتق الكبار و صانعي السلام كما يدّعون. و لكن هذا لا يمنع من القصاص في حق الحرب و الشر و الحصار ما دمنا نعيش في مملكة بنيناها في أحلامنا.
الملكة ياسمين : إنك على حق أيها العقل فمملكة أحلامنا تستطيع أن تضع قوانينًا خاصّة بها و بشعبها لمحاكمة ما يسمّيه الكبار بالمحسوس كالشرّ و الحرب و الحصار. أيها الحاجب اقترب و اقرأ عليهم الحكم الذي ينتظرهم.
.
الحاجب : باسم مملكة الزهور و باسم براءة الأطفال و باسم زهور الحرّية و باسم السلام و باسم صاحبة الجلالة تمّ الحكم على الجناة الثلاثة بالإعدام، و ذلك لما اقترفت أيديهم في حق الأطفال الأبرياء في العالم بأسره و ينفذ الحكم علنًا في ساحة المملكة و أمام الجميع حتى تكونون عبرة لغيركم من الحروب و الحصارات في العالم إنتهى نص الحكم التوقيع خاتم صاحبة الجلالة التاريخ يوم السلم شهر السلم و سنة السلم.
ثمّ تشير الملكة إلى أخذهم إلى ما ينتظرهم حيث يخيم الصمت و تختفي الإضاءة شيئا فشسئا حيث ينهض الجميع و يبدأ الستار في النزول و ينتهي بذلك المشهد الثاني.
المشهــــــــــد الثالـــــــث:
يرتفع الستار على قاعة العرش التي في المشهد الثاني غير أن في هذاالمشهد تكون الإضاءة قليلة بحيث تظهر قاعة العرش و كأنّ الظلام يخيم عليها صنع كرسي العرش من الحديد الصلب بحيث يجلس فوقه ملك ضخم الجثة يرتدي لباس يغلّفه السواد إسمه بار خام من ملامحه يبدو و كأنه في غظب كبير ينظر إلى مستشاريه الثلاثة بنظرة يملأها الغظب و الحقد ينهض من على كرسي العرش و يبدأ في الذهاب و الإياب و هو يقول :
الملك بارخام : الملكة ياسمين الملكة ياسمين تبّا لها و لقومها و لمملكتها تلك أريد الوصول إلى مملكتها حتى و لو مات جميع من في مملكتي.
ثمّ ينظر إلى مستشاريه الثلاثة و هو يقول : ما بالكم صامتون و كأنه على رؤ وسكم الطير؛ ألا تستطيعون إفادتي بحيلة أستطيع بها الإستلاء على مملكة الزهور دون أن أخسر فردًا من شعبها.
المستشار الأول : بإمكانك يا مولاي أن لا تلتجأ إلى الحيلة في سبيل تحقبق ذلك.
الملك بارخام : ( بغضب شديد) و كيف أستطيع الإستلاء على تلك المملكة دون حيلة أيها الأحمق؟
المستشار الأول : بإمكانك يا مولاي أن تحاربهم و تدمّر مملكنهم و تقتل أطفالهم فما يبقى من مملكة الزهور سوى اسمها فقط فنحن نملك من العتاد و الأسلحة المتطوّرة ما يجعلنا أقوى من الملكة ياسمين و مملكة الزهور فلماذ ا يلتجأ مولاي إلى الحيلة و بماذا تفيده في هذا الأمر.
الملك بارخام : يالك من أحمق و غبي أو تريدني أن أقتل مستقبلي بيديّ.
المستشار : كيف ذلك يا مولاي فأنا لم أفهمك جيدا؟
الملك بارخام : أو لم تدري أن الصغار هم مستقبل الكبار و إذا ما قتلناهم جميعا فإننا نقوم بتدمير أنفسنا بأنفسنا، إن تدمير مملكة الزهور كما تقول أيها الغبي يعني ذلك فناءنا فنحن سوف نكبر و نموت و لا يبقى منّا أحد أفلا يعني لك تدمير تلك المملكة أننا نقوم بتدمير مستقبلنا بحيث لا يبقى لنا مستقبل ننشده أو نحارب لأجله و لا تمتدّ جذورنا في هذا العالم أيها الأحمق فاتني بفكرة ثانية أو التزم الصمت.
المستشار الثاني : ربما تكون لديّ فكرة صائبة ترشدنا للإستلاء على مملكة الزهور دون أن نلتجأ للحرب و دون أن نخسر مستقبلنا المنشود.
الملك بارخام : و ما هي هذه الفكرة التي تدور في رأسك أيها الشيطان.
المستشار الثاني : أقترح يا مولاي أننا لو نلتجأ للتفا و ض مع الملكة ياسمين و إقناعها بأننا لا نستطيع العيش دون أطفال و لا هم يستطيعون العيش دوننا فلربما اقتنعت بما سنقترحه عليها و بذلك نستولي على المملكة د ون أن نخسر فردا من شعبها، فأظن أن ما يهمّك يا مولاي هو أن تعيد الأطفال إلى مملكتك حتى تستطيع بذلك السيطرة على العالم بأسره.
الملك بارخام : أصبت أصبت إن همّي الوحيد أن أعيد الأطفال إلى مملكتي فكما تعلم جيّدا أن جنودنا يسقطون الواحد تلو الأخر في هاته المعارك الطاحنة التي نصنعها.
فإن بقينا على هذه الحالة فسوف يفنى شعبنا و لا يبقى فردا واحدا منا يستطيع قيادة المملكة من بعدنا.
المستشار الثالث : ( بعد أن ينظر إلى المستشار الثاني) يقول و في رأيك من هو الرجل الكفيء الذي يستطيع إقناع الملكة ياسمين بالتخلي عن حلمها و الإندماج مع مملكة الكبار بعد أن هجرتها؟
الملك بارخام : أظن أن بخاطري فكرة أستطيع بها إقناع الملكة ياسمين بالإندماج معنا أو التخلي لنا عن مملكتها.
المستشار الأول : و ما هي هذه الفكرة التي تستطيع بها إقناع الملكة ياسمين بالتخلي لنا عن مملكتها و شعبها.
الملك بارخام : إذا أحسنّا إختيار المفاوض الكفىء الذي يستطيع إقناع الملكة ياسمين فإننا سوف ننجح في ذلك كما يجب أن يكون هذا المفاوض له صلة قرابة للملكة.
المستشار الأول : و ما نوع الصلة التي يبحث عنها مولاي؟
الملك بارخام : قلت لك صلة قرابة أيها الأحمق، أو ما فهمت ما أعنيه بعد.
المستشار الأول : لا يا مولاي لم أفهم ما تقصده بعد؟
الملك بارخام : أيها الغبي ألم أقل لك ألف مرّة بأن لا تكثر من أسئلتك التافهة في مجلسي.
المستشار الثاني : أظن أنك يا مولاي لن تجد من هو كفيء بالتفاوض مع الملكة ياسمين سوى أمها فهي أقرب صلة بها و تستطيع التأ ثير على أحلامها و أفكارها.
الملك بارخام : يا لك من داهية أيها المستشار أنت فعلا داهية، فلقد أصبت و أحسنت إختيار المفاوض الكفئ الذي يستطيع التأ ثير على هذه الملكة الغبية التي لم تبلغ السابعة بعد من عمرها و تريد القضاء على مستقبل العالم بأسره.
أنت فعلا مستشار ماكر و داهية في نفس الوقت خذ هذا الو سام إعترافا مني بعيقريتك و ذكائك فمنذ اليوم سوف ألقبك بإسم الماكر أو الداهية، فأنت فعلا تستحق هذا اللقب.
ثمّ يعود و يجلس فوق كرسي العرش و هو يقول هيّا بسرعة فليحضر لي أحدكم بامّها للتفاوض مع ابنتها.
تكون هناك لحظة صمت ثم بعد ذلك يسمع صوت الحاجب و برفقته أم ياسمين.
الحاجب : مولاي ها هي أم الملكة ياسمين كما طلبتها.
الملك بارخام : ( ينهض بعد أن كان يشرب كأسا من الخمر) ينظر إلى أم ياسمين و هو يقول أم الملكة ياسمين أم الملكة ياسمين التي قهرتنا و سرقت أطفالنا و تريد أن تقضي علينا إنها فعلا مفاجأة سارّة أن أراكي في بلاطي.
ثمّ يلتفت إلى مستشاريه رافعا كأسه بيده فلنشرب من نبيذ الحقد نخب قدوم أم صاحبة الجلالة الملكة ياسمين إلى بلاطنا هيّا فانشرب جميعا نخبها ( ثمّ يضحك بصوت مرتفع ).
الأم : ( بعد أن تنظر إليه بنظرة يملأها الإحتقار و الكره) لا أرى ما المضحك في ذلك و إنني لا أدري لماذا استدعيتني إلى بلاطك بالرغم من معرقتك المسبقة لشعوري نحوك و نحو شعبنك.
الملك بارخام : (ينظر إليها و هو يظحك و يقول) لا يهمني ما تشعرين أنت نحوي من حقد أو كره أو غير ذلك فالمهم عندي هو أن تنفذي ما سوف أكلفك به و لا تجادلينني في ذلك.
الأم : و ما الذي تريد أن تكلفني به بالرغم من أنّك تعرف جوابي مسبقا.
الملك بارخام : اولا جوابك يجب أن يكون بالقبول فهذا لا نقاش فيه لأن في ذلك مصلحتك و مصلحة ابنتك فما أريده منك أن تذهبي إلى مملكة إبنتك و تحاولي إقناعها عساها تعود عمّا في رأسها.
الأم : إنه من العجب فعلا أن تطلب مني هذا الطلب؛ فهذا ما بقي لكم سوى أن تسرقوا أحلام أطفالنا أما يكفيكم ما فعلتموه بنا طوال هذه السنين، لقد خرّبتك عقول أطفالنا و أتلفتم برائتهم بحربكم و حصاركم لنا طواال هذه الأعوام، فأصبحوا يتخيلون أشياءًا و يبنون أحلامًا لكي يهربون بها من واقعكم المر.
الملك بارخام : نحن أوّلا لم نفعل بكم شيئا فأنتم من بدأ بالإعتداء على مصالحنا.
الأم : مصالحكم ها ها ها ها، أتسمّون قتلكم لأطفالنا دون أدنى شفقة هو حماية لمصالحكم فبئس المصالح التي تتكلمون عليها و التي كسبتموها بسرقة أراضينا و أراضي أجدادنا فمصلحتكم الحقيقة هي السيطرة على هذا العالم بإسم السلام الذي تزعمونه.
الملك بارخام : (ينظر إليها بنظرة غضب) يالك من وقحة أيتها المرأة فكيف تجرئين على قول ما قلته فنحن لم نعتدي على أحد و إنما نرد على من يريد التعرّض إلى مصالحنا فنحن أيضا ضحّايا في هذه الحرب الطاحنة مثلكم.
الأم : (باستهزاء) يالكم من ضحايا أبرياء حقا تفرضون علينا حصارا دام عدّة سنوات ذهب ضحيته آلاف الأطفال ثمّ تزعمون أنكم ضحايا مثلنا فما أنتم إلا ذئاب هذا العالم فهذا هو المصطلح الحقيقي الذي يليق بكم.
الملك بارخام : (يقترب منها و هو يقول) نحن ذئاب إننا لا نستطيع أكل أحد بل بالعكس فأنتم من تريدون أكلنا أحياء فما نقوم به نحن سوى دفاعا عن مصالحنا و أنفسنا من الظلم و العدوان.
ثمّ يقترب منها أكثر و ينظر إلى وجهها على ذكر الحصار و الحرب أو لا تعلمين أن ابنتك استطاعت بأحلامها أن تتخيل الحرب و الحصار و الشر كبشر مثلنا و تقوم باعدامهم في مملكتها إنها حقا غبية.
الأم : هذ أعرفه فصغيرتي دائما تعتقد أن الحرب و الحصار هما على هيئة بشر أشرار يحبون قتل الأطفال الأبرياء كما أنها تعتقد أن السلم هو فارس كانت تنتظره ليخلصها من شرور هؤلاء.
فهي تحاول بذلك أن تهرب من واقعها المر إلى مملكة أحلامها حتى تستطيع تحقيق شيئا سرقتموه أنتم بحروبكم و حصاركم لنا.
الملك بارخام : إذا أردت حقا أن تستمر مملكة أحلامها فعليك أن تصغي إلى شروطنا التي سوف أمليها عليك كي تنقليها لها حرفيا.
الأم : لا أريد أن أكون طرفا في تحطيم مملكة أحلام صغيرتي فأهون عليّ أن اموت دون أن أصغي إلى مجرم مثلك لم يبقى له من شيء يدمّره سوى أحلام أطفالنا.
الملك بارخام : أيتها الوقحة أو لا تعلمين أنني أستطيع و بإشارة من إصبعي تدمير مملكة صغيرتك التافهة.
الأم : إفعل إن استطعت ذلك.
الملك بارخام : إنك تتحدّينني أيتها الوقحة و يصفعها و تسقط أرضا.
الأم : (تنظر إليه و هي ساقطة على الأرض) إنني أعلم انك تعجز عن تدمير تلك المملكة لأن ذلك يدمّرك شخصيا و يحطّم غرورك فأنت تدرك أكثر مني أن معظم أطفال العالم قد إنضمّوا إلى تلك المملكة فانتم قوم تحرسون على البقاء و الحياة أكثر منا فليس من المعقول أن تتمنّون الموت و الدمار إلى تلك المملكة و أنتم تعلمون أنها تمثل امتدادا لكم فهي بالنسبة لكم المستقبل المنشود.
الملك بارخام : أهذا آخر كلام عندك.
الأم : نعم إنه آخر كلام عندي فلا جدوى من المحاولة معي فلن أكون المفاوض الذي يساعدك على تحطيم أحلام صغيرتي بل بالعكس قسوف أقف ضدّك حتى و إن مزّقتني إربا إربا.
الملك بارخام : (تظهر على وجهه ملامح الغضب فيصرخ قائلا) أيها الحرّاس أخرجوها من هنا فلا أريدها ثانية في مجلسي إنها إمرأة مجنونة لها أحلام تافهة كإبنتها.
ثمّ يدخل اللحارس فيقوم بإخراج أم ياسمين من أمام الملك فيبقى هو في حالة هستيريا و كأنه جُنّ و هو في تلك الحالة يتقدّم منه مستشاره الذي يطلق عليه إسم الداهية و يقول.
المستشار : (الداهية) أظن يا مولاي أنّه لا فائدة ترجى من المحاولة مع أمها.
الملك بارخام : أجل إنها عنيدة كإبنتها و لكن ماا لحل في رأيك؟
المستشار : (الداهية) إنّ الحل عندي يا مولاي.
الملك بارخام : ينظر إليه بدهشة إذن ماذا تنتظر فاتني به فورا.
المستشار : (الداهية) إنه حل أولي يا مولاي فإذا اتى بنتيجة فذاك ما نبغي أمّا إذا لم يأتي بنتيجة فسوف أقترح عليك الحل الثاني.
الملك بارخام : أسمعني الحل الأول ثمّ بعد ذلك فسوف أستمع إلى ما عندك من حلول باقية.
المستشار : (الداهية) أقترح يا مولاي أن نبعث بالسيد وارسن كمفاوض مع الملكة ياسمين فهو أدرى منا بنقاط الضعف التي يتميز بها كل عدو و كذلك فالرجل رجل حرب فهو من كان يقترح علينا الخطط الحربية و كذلك الأماكن التي نستهدفها أثناء قصفنا لأي بلد فهو رجل ذو دماغ حربي و حنكة سياسية و مفاوض جريء يجعل المظلوم في مكان الظالم و الظالم في مكان المظلوم.
الملك بارخام : لا تقل لي إنه ذلك الشخص قصير القامة نحيف الجثة الذي قاد العمليات الأخيرة أثناء قصفنا لمدرسة السلام في تلك القرية و كذلك المستشفى الجامعي، فإن كان هذ هو الشخص الذي يجول في خاطري فهو فعلا الشخص المطلوب يعرف حقّا إصابة الهدف و كأنه خلق لكي يكون قنّاصا لا يخطيء أي هدف أمامه.
المستشار : (الداهية) إنه بأمّ عينه يا مولاي فما قولك أن ترسله كمفاوض إلى مملكة الزهور.
الملك بارخام : (يشير إليه بيده و هو تائها ثمّ يقول) لا تقل شيئا عنه فيكفيني ما أعرفه عنه من مكر و دهاء و خداع فالتخرج فورا و لا تعود إلا و هو معك.
يخرج بعد ذلك المستشار ثمّ يجلس الملك بارخام على كرسي عرشه و هو ينظر إل مستشاريه و الدهشة بادية على وجهه، ثمّ ينادي على الحاجب فيناوله كأسا من الخمر منتظرًا قدوم وارسن و قبل أن يرتشف جرعة من كأسه يسمع صوت الحاجب و هو ينادي.
الحاجب : المستشار الأول بالباب و معه وارسن يا مولاي.
الملك بارخام : (ينزل الكأس من شفتيه و يضعه على المائدة و بعد أن يرى وارسن أمام عينيه يقف أمامه و يحتظنه و هو يقول مرحبا بك يا صانع الآفات و مدبّر الغارات مرحبا بعدوّ السلم و صديق الحرب في مجلسي، مرحبا بك يا وارسن إنك حقا تستحق أن توصف بالماكر فعلا ثمّ يناوله كأسا من النبيذ و هو يقول خذ و تذوّق هذا النوع من الخمر فلقد أطلقت عليه إسما من صفاتك(الخداع) تذوقه يا وارسن و قل لي رئيك.
وارسن : بعد أن يرتشف جرعة من الخمر ثمّ يقول إنه نبيذ نادر الوجود يستحق أن يطلق عليه إسم المكر و الخداع فهذا النوع من النبيذ عند تدوّقه يقوم بخداع من يشربه فيخيّل إلى من يتذوّقه في المرة الأولى أنه ثملا لكن في الحقيقة لا يسكر من يشرب هذا النوع من النبيذ، فطعمه الرّائع يجعل الناس يشربون منه بكثرة دون أن يختل توازن أحدهم حتى و لو شرب إلى الصباح.
الملك بارخام : ها ها ها ها أظنّ بأنك لست خبيرا بوضع الخطط الحربية و التفاوض مع الأعداء فقط و إنما أنت تحسن التفاوض مع أنواع الخمور كلها.
وارسن : إنها الخبرة يا مولاي من تفرض علينا هذا.
الملك بارخام : لهذا الغرض قمت باستدعائك لكي تكون رسولي و مفاوضي لدى الملكة ياسمين حيث لا تخرج من قصرها إلا و انت تحمل جوابا قاطعا بالإيجاب في عملية الإنظمام إلى مملكتنا.
وارسن : باستخفاف الملكة ياسمين أليست تلك الملكة التي لم يتجاوز سنها السابعة بعد و استطاعت أن تؤسّس مملكة إنظمّ إليها الملايين من أطفال هذا العالم.
الملك بارخام : إنها هي تلك الغبية التي استطاعت أن تسرق مستقبلنا نحن الكبار و تمنعنا من التقرّب إلى مملكتها.
وارسن : يقال انها أعند من الصخر خاصة فيما يخص التنازل عن شبر واحد من مملكتها للكبار فهي تعتقد أن تلك المملكة التي أسّستها هي بمثابة ضربة قاضية للكبار حتى ننتهي و لا يبقى لنا بذلك تاريخ يذكر و لا مستقبلا ننشده.
الملك بارخام : فعلا إنك على حق و هذا ما يؤرّقني و يزيد من خوفي لأنني لا أستطيع محاربة تلك المملكة خوفا على ضياع مستقبلنا.
وارسن : و من قال أنك سوف تحاربهم فمن الجنون أن يدمّر المرء مستقبله بيده، فيجب إقناعها بالتفاوض و الحيلة و إذا لم ننجح فيجب قتلها هي فقط ثمّ نستولي على المملكة.
الملك بارخام : لو كنت أستطيع قتلها كما قلت لما استدعيتك للتفاوض معها.
وارسن : أتمنّى أن أستطيع إقناعها في هذا الأمر يا مولاي.
الملك بارخام : ( بلهجة غضب) بل يجب أن تقنعها فلا يجب أن تعود إلى بلاطي إلا و أنت تحمل جوابا من المملكة بالموافقة و إلا فإنك ستخسر روحك في سبيل عدم تحقيق ذلك.
وارسن : أتمنى أن أكون عند حسن ظن مولاي فناولني رسالتك التي سأحملها للملكة.
الملك بارخام : (بعد أن يقوم بإخراج رسالة) خذ هذه الرسالة التي تحمل كل مطالبنا نحن و إياك أن تعود لي و انت تحمل جوابا بالرفض فكما قلت لك فإن في ذلك هلاكك.
يخرج وارسن من البلاط ثمّ يعود الملك إلى كرسي العرش فيحمل كأسه عاليا و هو يقول للحاضرين أمامه فلنشرب نخب وارسن و نخب المملكة التي سوف تكون لنا بعد ساعات فقط، فلنشرب نخب الحلم الذي بعد لحظات يكون حقيقة فيرفع الجميع كؤوسهم فتنقض الإضاءة شيئا
|