اكبر واشهر مجلة الكترونية مصرية علي شبكة الانترنت

  هيئة التحرير | ارسل مقال | شروط النشر | ادعمنا

Photobucket




المؤرخ البريطاني اليستر هورن: الملك فاروق لم يكن صديقا للإنجليز

البوم نانسي عجرم الجديد

سيدة دين مسيحيه تطالب بمنع بناء مساجد في بريطانا

افاس عاصمة متوسطية للفلسفة لسنة 2008

غنوة شقيقة الفنانة انغام تنضم الى عالم الغناء

الفنانة اللبنانية تاتيانا : لبس المايوه مش عيب

الثقافة الجنسية







السجن 6 أشهر لممرض إغتصب عجوز أسترالية

بلاغ يطالب بالحجر على جمال البنا بسبب القبلات

مصرية تتزوج شقيقين وتعيش معهما فى منزل واحد

مقاضاة معلمة وصفت تلميذاً بالإرهابي


الخميس، أغسطس 31، 2006
استطلاع رأى
تقوم مجلة العرب باستطلاع أراء السادة قراء وكتاب المجلة حول كيفية تطوير المجلة نتمنى من الجميع ان يشاركوا بما يرونه صالحا سواء بالتصويت او التعليق على النموذج الموجود على يمين الصفحة
مدة الاستطلاع 30 يوما اعتبارا من 28 اغسطس وحتى 26 سبتمبر 2006
posted by arabmag @ 12:19 م   4 التعليقات
الأربعاء، أغسطس 30، 2006
الفارق الإنساني بين حضارة الإسلام وثقافة الغرب

الإطار الفكري والتاريخي
بقلم الكاتب خالد جوده أحمد
1 - مقدمه :

لم يختلف الناس فى تحديد مفهوم شيئ كما اختلفوا فى تحديد مفهوم الثقافة وكذا مفهوم الحضارة لدرجة تباين فيها الرأى بين اقصى اليمين وأقصى اليسار ، حتى قام احد الباحثين بحصر حوالى ( 165 ) تعريفا للحضارة وحدها ( 1 ) ، بل وتداخلت هذه المفاهيم مع غيرها من المفاهيم واختلفت اختلافا كبيرا حسب الزوايا أو وجهات النظر التى يرمى اليها الباحثين وبشكل يصعب استيعابه ، فهل الحضارة هى الثقافة ، ام لها مفهوما مغايرا ؟ ، وما هو المعيار الفاصل بينهما ؟ ، وكيف يمكن وصف المدنيات المختلفة عبر رحلة التاريخ بالنسبة لمفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة ؟

2 – الحضارة : الثقافة المتقدمة المبدعة :

ا لحق ان الحضارة صورة أرقى من الثقافة ، فالثقافة تشير ببساطة الى : " الاسلوب العام لحياة جماعة ، او مجتمع معين ، فى مكان وزمان محددين . ويندرج تحت مقولة " الاسلوب العام " كل ما يرتبط من الحياة البشرية ، او الاجتماعية ، او الفردية بالبيئة الاجتماعية لا بالوراثة ، كاللغة ، والعادات ، والمعتقدات ، والطقوس ، واداب السلوك " ( 2 ) ، والثقافة تشير بهذا تلك المعارف المتراكمة والتى تثمر وجهات نظر معينة تصطبغ بها الحياة بالكامل وتؤسس فيما بعد القيم الحضارية ، فيقال ثقافة شرقية أو غربية ، اسلامية او غير اسلامية وهكذا ، أ ما الحضارة فتشير الى : " المظهر الثقافى المتقدم لدى شعب من الشعوب والذى تحدد درجة تقدمه مجموعة من الانجازات فى مجالات العلوم والاداب والنظم السياسية والاجتماعية " ( 3 )


وبذلك يتضح الفارق الجوهرى بين الثقافة والحضارة فالاخيرة كما اشار احد الباحثين تنشأ وتتطور وتزدهر لدى شعب معين فى فترة زمنية معينة من تاريخه الا انها قد تتعرض للخفوت او الاندثار فى فترات تاريخية اخرى ( 4 )، فليس كل ثقافة اذن مؤهلة لكى تنشأ حضارة خالدة تندمج فيها القيم المادية والانسانية ، بل هى فقط الثقافة المتقدمة المبدعة مكتملة العناصر ، و لكن الثقافة فى النهاية تتسم بالاستمرارية على حد تعبير د / حسين محمد فهيم : " اذ لابد فى النهاية من أن يوجد نمط معين من الحياة يهتدى به الناس فى مزاولة حياتهم اليومية سواء كانت بسيطة ام معقدة ، وعليه اذا – وعلى حد تعبير الكاتب جوزيف شريم – " لايفتقر شعب ، أى شعب ، الى الثقافة ، ولا يفتقر الانسان ، اى انسان ، الى الثقافة ، ولكن الشعوب ليست ( بالضرورة ) كلها متحضرة "( 5 ) .



3 – حضارة الاسلام كاملة النسيج :

وطبقا لهذا المفهوم فالحضارة هى التى تكتمل فيها عناصر التقدم ، وحضارة الاسلام خير مثال شاهد على هذا المفهوم ، فهى حضارة كاملة الاركان مادية وانسانية معا ، وهى ايضا الحضارة التى تجمع بين المادة والروح فى توازن دقيق واعتدال رشيد فلا تطغى احداهما على الاخرى ( كما يوجد فى ثقافات اخرى ) .
قال شاعر الاسلام " محمد اقبال " : " ان حضارة الاسلام تتمثل فى قولى تعالى : " وابتغ فيما اتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله اليك " ( 6 ) فهى توفيق بين العقل والعاطفة والوحى والعلم وبين المادة والروح " ( 7 ) ، ومنظومة المبادئ الاسلامية والمستندة الى جملة النصوص الشريفة ( وما اكثرها ) تؤكد بما لا يدع مجالا للشك – وكما اكدت مئات الصفحات وعشرات المؤلفات – ان الاسلام هو دين السماحة والرحمة والعطاء الانسانى ، وان من اقوى العوامل التى دفعت حضارة الاسلام نحو مدارج النمو الهائلة والتى مكنت للدين الاسلامى كى يفتح القلوب ويخالط شغافها هو تلك القيم الخالدة ، وقدرتها على الاستيعاب الحضارى للشعوب ، كما كانت حقوق الانسان فى الاسلام سابقه لمبادئ حقوق الانسان فى الغرب باكثر من اربعة عشر قرنا من الزمان ، بل ومتفوقه عنها من حيث المصطلح والصياغة والتطبيق العملى ( والمصادر متاحة زاخرة بالتفاصيل الكثيرة ) فقد حققت حضارة الاسلام منهج الوسطية وميزان الاعتدال فحققت ارقى منجزات الحياة المادية من بناء وعلوم كونية وطبيعية ومخترعات ، كما حققت الجوانب الانسانية فى الحياة فكانت الرحمة للشعوب وللعالم باسره ، على نحو لم يتحقق فى غيرها من الثقافات الاخرى خاصة الثقافة الغربية والتى تفتقد للقيم الانسانية كركن اصيل للحضارة بمفهومها الشامل .



4 – العامل الانسانى فى تكوين الحضارات :

الحضارة ( كما اشرنا ) كمفهوم شامل لا يستند وفقط على التقدم المادى ، بل ويشتمل ايضا على العامل الانسانى ، فالحضارة قسمان لا غنى لاحدهما عن الاخر ومن هذا التمازج تتشكل حقيقة الحضارة ، فقد نفى العلامة " محمود شاكر " ( رحمه الله ) صفة الحضارة بالكلية عن الحضارات التى تفتقد الصفة الانسانية فيقول : " فى التاريخ القديم تتحدث اوروبا العلمانية عن الحضارات القديمة ونحن لا نعد هذه المظاهر فى مفهومنا حضارات ، وانما مظهر من مظاهر البناء فالحضارة تتصف بالصفة الانسانية فاذا زالت عنها فانما هى تسلط وارهاب يعدونه حضارة وما البناء الذى شيدته الا بناء على جماجم اخواتها حيث رفعته على جثث الاف البشر ارغموا على العمل به واكرهوا على الكد فيه حتى لقوا حتفهم والسوط على اظهرهم " ( 8 ) ، اى اذا انفصلت الحضارة عن المعانى الانسانية اصبحت مجرد مظهر من مظاهر البناء الاجوف ولم تكن حضارة فعلا بمعناها الشامل الحقيقى ، وانما هى ثقافة مادية تفتقد لمقوم رئيسى من مقومات الحضارة .



5 – القيم الانسانية فى عالمنا المعاصر :

تتضح أهمية بحث الاطار الفكرى للقيم الانسانية فى الثقافات المختلفة تلك التطورات الفكرية والسياسية والعسكرية فى عالمنا المعاصر، خاصة فى منطقتنا العربية والاسلامية ، فعلى المستوى الفكرى ظهرت نظريات " نهاية التاريخ " ، و " الصراع الحضارى " ، و " النظام العالمى " ، و " العولمة " ، و " الطريق الثالث " ، وغيرها من افكار نابعة من الثقافة الغربية ، وجميعها تبشر بعالم انسانى بلا خوف أو الم ، ينعم بالديمقراطية وحقوق الانسان ، وعلى المستوى السياسى والعسكرى ظهرت الهيمنة السياسة الكاملة على مقدرات الشعوب الفقيرة والضعيفة ، والحشد السياسى والاقتصادى والعسكرى لانتهاب ثروات ومقدرات الشعوب ( خاصة الاسلامية ) تحت مسمى " الانسانية وحرب الارهاب " والتى وصلت ذروتها بالاحتلال العسكرى المباشر لدول اسلامية ، ومساندة كاملة لاسرائيل فى ممارستها اللانسانية فى فلسطين ، بل ووصلت المفارقة الى اقصى حدودها عند وصف الرئيس الامريكى رئيس وزراء اسرائيل برجل السلام ، ووصف المدافعين عن وطنهم بالمتوحشين سفاكى الدماء ، وذلك جميعه فى اطار حملة شرسه تصف الاسلام بانه دين اللانسانية والعنف ، والغرب فى ذلك يسلك طريقة " رمتنى بدائها وانسلت " ، وذلك جميعه يوجب الوعى والالمام بمفهوم الحضارة الحقيقية وانها لم تتحقق تاريخيا بمفهومها الشامل الا فى ظلال الاسلام الحنيف ، وانه على النقيض لما استحوذ الغرب على زمام الامور عانى عالمنا المعاصرمن ازمة حادة فى القيم الانسانية ( وما زال ) سواء على مستوى التسامح واحترام حقوق الانسان او العقلانية والحوار، ويشمل ذلك جميع الدول المستضعفة فكان الاعتداء على الدول واقامة المجازر تحت سمع وبصر العالم ، ومطالعة يسيرة لتقارير حقوق الانسان والصادرة من المؤسسات العالمية يبرهن على ذلك ويؤكده ، وفى مقاله معبره يقول الدكتور / ابراهيم سليمان عيسى : " تتوالى تقارير لجان حقوق الانسان ومنظمة العفو الدولية منذ عام 1990م وتدل بما- لايدع مجالا للشك – على ان مؤشرات اهدار كرامة الانسان متصاعدة بصورة خطيرة وبخاصة فى " العالم الثالث " وان التقدم التكنولوجى الذى احرزه العالم فى هذا المجال قد لازمه تراجع محزن مخيف فى العديد من الاقطار المختلفة ... الامر الذى يؤدى الى انهيار الكيان البشرى " ( 9 ) ، فما زالت صرخات حكماء العصر والتى تنبئ انه رغم التقدم المادى غير المسبوق فلم تصل بعد المبادئ والمثل الاخلاقية الى مستوى مماثل ،


ويكفى فى هذا المقام ان نحيل القارئ الى تقارير وسائط الاعلام المختلفة والتى تذيع صباح مساء بالمشاهد الحية اخبار سحق الانسان وذبحة والاعتداء على مقدراته وحقوقه الانسانية ، ولا مانع فى هذا المقام الاشارة الى عينة مختارة من انباء مجازر المسلمين والتى تمت تحت عيون الغرب ودعمه المعنوى والاعلامى : انها مذابح العصر فى البوسنة الهرسك والان الى الارقام : ( 60000 ) امراة مغتصبة ، ( 30000 ) قتيل ( 3000000 ) شريد ( 10 ) ، وما زالت تلك المجازر قائمة على ارض فلسطين والعراق وغيرها لتظل ابدا وصمة عار فى جبين تلك الثقافة التى لا قلب لها والتى تدعى رغم ذلك انها رائدة الديمقراطية والانسانية .
وفى هذا الشأن لم اجد وصفا لشريعة الغرب والتى ترتكب هذه الاثام الا استعارة تعبير الشيخ " محمد الغزالى " ( رحمه الله ) حين وصفها بشريعة القتل والاستغلال فقال : " احسب تاريخ العالم لا يعرف فى سجله الطويل أسوأ من مدنية الغرب فى معاملة الاخرين ، وتجاهل مصالحهم ، ومصادرة حقوقهم ، بل انه لا يعرف أسوأ من هذه المدنية فى اراقة الدماء بغزارة ، والتهام الحريات بنهم وتجسيم الاثرة الباغية تجسيما يحجب ما ورائه من خير وعدل ، لا ، بل ان هذه المدنية تتميز ببراعتها الفائقة فى فرض اثمها على انه شرف ، وابراز شهواتها وكأنها قوانين نزيهة فالخير ما عاد عليها وحدها بالنفع وان كسرت قلوب الاخرين والعدل ما سوغ حيفها وان شاه وجه الحق واستخفت معالمه تحت ركـــــــــام من الاقذار " ( 11 ) ، ورحم الله تعالى الشيخ الغزالى فقد وصف فاحسن الوصف ، والوضع المؤسف القائم يوجب ضرورة العمل على بعث حضارتنا الاسلامية لتؤدى دورها المنشود فى هداية البشرية الى شاطئ الخير والامان والانسانية .



6 – الاطار التاريخى :

والمقارنة بين انسانية حضارة الاسلام وانسانية غيره من الثقافات يستدعى قراءة النصوص الشريفة ، والسيرة النبوية المطهرة ، وفقه المعاملات فى الاسلام ، قراءة متأنية بما يخرج عن نطاق المقال الى جملة من الدراسات المستفيضة والشائقة والتى تناولت القيم الانسانية فى ظلال هذه المبادئ الكريمة ، ولكن ننتقل مباشرة من تناول الاطار الفكرى للمقارنة المنشودة من المقال الى الاطار التاريخى ، فلا شك ان حسن الشيئ يظهره الضد ، وعظمة القيم الانسانية فى حضارة الاسلام تزداد بهاء وجلالا ( على حد تعبير الدكتور / محمد عمارة ) " فى ضوء هذا " البؤس " الذى صنعه وما زال يصنعه الاخرون "( 12 ) ، ولا مانع من ان نضع مشاهد التاريخ متجاورة لنرى هذا الفارق الانسانى الهائل المذهل بين انسانية حضارة الاسلام ولا انسانية غيره من الثقافات ، والامثلة اكثر من ان تعد او تحصى ، ولكننا نكتفى بالتقاط بعض النصوص والمشاهد لتكون مجرد اشارة رمينا اليها من مجال المقارنة حتى يعى المسلم حقيقة ما يدور حوله ويعلم واجبه نحو حضارته ، والان الى تلك المختارات .



7 – مقارنة بين عدة نصوص :

اتفقنا أن المقارنة تزيد الامر وضوحا على وضوحه ، لذلك انتقيت من التراث الاسلامى ذاك النص المعبر الجميل عن الحضارة الاسلامية : " يامير المؤمنين اهل ذمتكم ، لا يكلفون ما لا يطيقون ، فان ما تجبونه منهم ، معونة لكم على عدوكم " ، والقصة التاريخية والتى وردت فى متنها هذه المقاله : انه لما قدم " عطاء بن رباح " سيد فقهاء الحجاز على الخليفة الاموى " هشام بن عبد الملك " فاكرم وفادته غاية الاكرام واجلسه معه على سريره وعنده اشراف الناس يتحدثون ثم سأله حاجته ، فسأله اكرام اهل الحرمين ، اهل الله ، وجيران رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وذلك بتقسيم ارزاقهم واعطياتهم فامر لهم الخليفة بذلك لمدة عام ، ثم سأله اكرام اهل الحجاز ونجد فهم اصل العرب وقادة الاسلام وذلك برد فضول صدقاتهم فاجابه الخليفة لذلك ، ثم ذكر اهل الثغور فاجابه لذلك ثم سأله الخليفة حاجه اخرى فقال له : " يامير المؤمنين اهل ذمتكم ، لا يكلفون ما لا يطيقون ، فان ما تجبونه منهم ، معونة لكم على عدوكم " ، ثم نصحه حتى بكى وانصرف ( 13 ) ، وهكذا نجد ان فقيه الحجاز يجشم نفسه مشقة الارتحال من الحجاز حتى الشام ليذكر خليفة المسلمين بالاعطيات وأهل الذمة ولم يطلب لنفسه شيئا .


وفى نص اخر واضحا اشد الوضوح ، دامغا فى ميدان المقارنة ، من رسالة نصارى الشام الى سيدنا " عبيدة بن الجراح " ( رضى الله عنه ) : " يامعشر المسلمين ، انتم احب الينا من الروم ، وان كانوا على ديننا ، انتم أوفى لنا ، وارف بنا ، واكف عن ظلمنا ، واحسن ولاية علينا ، ولكنهم غلبونا على امرنا وعلى منازلنا " ( 14 ) .
الوجه الاخر : وفيه ننتقل الى نصوص مختاره لقادة ومفكرى اسرائيل :
- الحاخام " ارون ليفى " الحاخام الاكبر للقدس عام 1799م يقول : " ليتجمع كل رجال الشعب اليهودى القادرين على جمل السلاح ولياتوا الى فلسطين " ( 15 ) .
- اما السفاح " مناحم بيجن " فيقدم فلسفته المميته قائلا : " ان قوة التقدم فى تاريخ العالم ليست السلام بل السيف " ( 16 ) ، ويقول ايضا شارحا : " قال ديكارت افكر فانا اذن موجود ، واقول اقتل فانا اذن موجود " ( 17 ) ، وله ايضا : " ان قلوبكم ايها الاسرائيليون لا يصح ان تتألم وانتم تقتلون عدوكم ولا ينبغى ان تاخذكم بهم شفقة طالما اننا بعد لم نقضى على ما يسمى بالثقافة العربية والتى سوف تقوم على انقاضها حضارتنا الخاصة " ( 18 ) ، اليس هذا ما نراه ويراه معنا العالم كله ؟ ، اليس هذا مضمون نظرية " صراع الحضارات " ؟ ، واين هذا جميعه من عطاء ورحمة حضارة الاسلام ؟ ، وهل هذا هو رد الجميل ؟ ، يقول " اسرائيل ولفنسون " : " ان الخسارة القليلة التى لحقت بيهود بلاد الحجاز ضئيلة بالقياس الى الفائدة التى اكتسبها اليهود من ظهور الاسلام ، لقد انقذ الفاتحون المسلمون الافا من اليهود كانوا منتشرين فى اقاليم الدولة الرومية ، وكانوا يقاسون الوانا من العذاب " ( 19 ) ، بل عاشوا فى ارغد حياة فى امن واطمئنان فى ظلال حضارة الاسلام .


- ولعل اختيارنا لتلك النصوص انما كان بصفة اساسية لكون اسرائيل هى الامتداد الطبيعى للغرب فى منطقتنا العربية ، فهى مزروعة فى قلب العالم الاسلامى لتؤدى دورها المنشود كطليعة للغرب فى منطقتنا ، والدعاية الاعلامية فى الغرب وحليفتها او وجهها الاخر ( اسرائيل ) كلها قائمة على هذا المضمون ، وهذا أيضا نص اخر ( لنفهم اكثر ) من ثقافة الغرب القائمة على الاستعلاء والقسوة ، يقول " بلانت " احد الانجليز الذين كانوا فى مصر بالحرف الواحد : " ... بموجب مرسوم 1895م يمكن الحكم على اى مصرى واعدامه صلبا او على الخازوق لمجرد انه امتعض من اعتداء جندى بريطانى على عرض زوجته او انه حال دون ذلك ... " ( 20 )
- تلك اذن هى ثقافة الغرب ، وقد انبانا الله تعالى عنهم فقال ( عز من قائل ) " كيف وان يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم الا ولا ذمه " ( 21 ) ، وليس عليك عزيزى القارئ الا ان ترى ذلك على صفحات الواقع فى بلاد شتى كما كانت من قبل ، وكما هى الان ، وكما ستحدث غدا حتى يفصل الله تعالى فى الامر ، ويقضى امرا كان مفعولا .



8 – مشهد من السيرة النبوية الشريفة :

. وفى صورة اجمالية دامغة يقدمها د/ محمد عمارة فى بحثه القيم عن سماحة الاسلام يذكر فيها : " انتصار الاسلام على الشرك الوثنى ذلك الذى فتن المسلمين فى دينهم ، واخرجهم من ديارهم .. وعلى الخيانة اليهودية ، والتى تحالفت مع الشرك الوثنى ضد التوحيد الاسلامى .. انتصار الاسلام عليهم ، فى عشرين موقعة – هى التى دار فيها قتال .. ما بين سنة 2 هـ وسنة 9 هـ - هذا الانتصار الذى غير وجه الدنيا والحضارة والتاريخ ، وكيف ان ضحايا هذه المعارك – من الفريقين – لم يتجاوز 386 قتيلا – 183 هم مجموع شهداء المسلمين و 203 هم كل قتلى قريش . بينما نجد الحرب الدينية والتى دامت اكثلا من قرنين – داخل النصرانية ذاتها بين الكاثوليك والبروتستانت ، فى القرنين السادس عشر والسابع عشر – قد ابيد فيها 40% من شعوب وسط اوروبا .. وفق احـــصاء " فولتير " ( 1694 – 1778 م ) بلغ ضحاياه عشرة ملايين نصرانى " ( 22 ) .



9 – مشهد من الحروب الصليبية القديمة :

بدأت الحروب الصليبية بمؤتمر " كليرمونت " سنة 1095م والذى حث فيه البابا " اوربان الثانى " المسيحيين على ابادة وحرب المسلمين تحت حجة حماية حجاج النصارى واسترداد بيت المقدس ، وبعد اربع سنوات تمكنت الحملة الاولى من سحق بلاد الشام واقامة اربع ممالك صليبية فيها ، كما احتلوا القدس فى يوم حزين من ايام شهر يونية 1099م ( 23 ) ، فماذا فعلوا مع المسلمين ؟ ، ان الاجابة على مثل هذا السؤال تستوجب العودة الى صفحات التاريخ لنقرأ فيها فصلا رهيبا من الابادة والتنكيل بالمسلمين فى مذابح رهيبة تظل ابد الدهر وصمة عار فى جبين هذه الثقافة ، ولا يماثلها – بل ويفوقها فى بشاعتها – الا مذابح المسلمين فى الاندلس ، ثم مذابحهم فى العصر الحديث ، ويكفى هنا ان نشير الى ان الصليبيين غلاظ الاكباد لم يتورعوا عن ذبح سبعين الف مسلم اجتمعوا واحتموا فى المسجد الاقصى غداة سقوط بيت المقدس ( 24 ) ، ولم ينجو من هذه المذابح المروعة الا ثلاثمائة مسلم فقط وكتب الصليبيون لبابا روما رسالة سجلتها كتبهم يقولوم فيها : " ان جنودنا كانوا يخضون بسيقانهم حتى الركب فى دماء المسلمين " ( 25) ، وقال المؤرخ الشهير " وليم الصورى " : " كان بيت المقدس مخاضة واسعة من دماء المسلمين " ( 26 ) ، واعتصمت حموع المسلمين فى مسجد عمر ( وهم الموضع الذى صلى فيه بديلا عن كنيسة القيامة حتى لا ياخذها المسلمين من المسيحيين ) ، فيسجل احد الكهنة المسيحيين ما رأى متألما : " لقد افرط قومنا فى سفك الدماء .. وكانت جثث القتلى تعوم فى الساحة هنا وهناك .. وكانت الايدى والازرع المبتورة تسبح كانها تريد ان تتصل بجثث اقتطعن منها " ( 27 ) ، اما " جوستاف لوبون " فيسجل فى كتابه الهام " حضارة العرب " تلك المفارقة المذهلة بين رحمة حضارة الاسلام ووحشية ثقافة الغرب فيقول : " فاولئك العرب الذين خرجوا من الصحراء ، اعطوا المسيحيين فى القدس " العهد العمرى " المشهور والذى تعهد فيه المسلمون بالمحافظة على كنائس المسيحيين ومقدساتهم . واما اولئك الاوروبيون فكانوا يجوبون الشوارع ويصعدون الى اسطح البيوت ، ليروا غليلهم بالتقتيل ، وكأنهم لبؤات خطفت اطفالها . وكانوا يذبحون الاولاد والشباب والشيوخ ويقطعونهم اربا اربا .. وكانوا يشنقون مجموعة من الناس بعضهم امام بعض بحبل واحد بغية السرعة .. وقد امر الامير " بوهيمند " باحضار الاسرى الى برج النصر ، فامر بضرب رقاب الشيوخ والعجائز والضعاف ، واما الشبان والرجال فقد سيقوا ليباعوا فى سوق الرقيق " ( 28 ) ، وبعد تلك النقول الست معى انها هى ذات المشاهد التى طالعنها (على مرأى ومسمع العالم ) فى الهند وبورما والبوسنة والهرسك وكوسوفا وغيرها وما زلنا نطالعها فى فلسطين والعراق والشيشان وكشمير وغيرها ؟


ان المفارقة بحق مذهلة ، فالحرب الاعلامية والتى شنها الصليبيون بدعوى اضطهاد النصارى قد نفاها المؤرخون الاوروبيون انفسهم بما اثبت - بلا ادنى شك – زيف خطأ هذا الرأى ، فالنصارى طوال عهود الاسلام تمتعوا برحابة صدر المسلمين ، فهذا بطريرك بيت المقدس يعترف فى رسالة سرية الى زميله بطريرك القسطنطينية ، جاء فيها بالنص القطعى : " ان المسلمين قوم عادلون ، ونحن لا نلقى منهم اى اذى او عنت " ( 29 ) فماذا ياترى كان جزاء المسلمين العادلين ؟ تلك الغارة والعدوان على الاسلام وشعوبه والتى تتم صباح مساء فى غلظة وقسوة منقطعة النظير .
وحتى تزيد المفارقة عجبا نضع صورة اخرى من التاريخ مشابهة تماما ، انها صورة القائد " صلاح الدين الايوبى " فى معاملة اعدائه واعداء الانسانية ، فعندما دخل بيت المقدس اتجه الى المسجد الاقصى الشريف فصلى وسبح بحمد ربه واستغفر ثم اتجه الى قبة مسجد الصخرة فانزل الصليب المعلق عليها وعطرها ( متى نرى هذا المشهد المبارك البهيج مرة اخرى ؟ ) ، واراد بعض الجند ان يحولوا كنيسة القيامة الى مسجد ، فابى القائد المظفر وامر بتركها مفتوحه ، وكان سقط فى يده سبعين الف صـــليبى ( وهو نفس عدد المسلمين الذين ذبحوا قبل 88 سنة ) واشار عليه اناس ان يثأر للمسلمين مما فعله الصليبيون عندما دخلوا بيت المقدس فجعلوه مخاضة من الدماء ، فابى ثم سمح لهم بالخروج امنين سالمين الى حيث شاءوا من المدن الصليبية الاخرى ، كما سمح للاميرات بالخروج مصونات مكرمات ومعهن الامتعة والملابس وكل ما يمكن حمله ومع كل اميرة حاشيتها وخدمها وكلهن فى امن وطمأنينة ، ثم فرض على كل اسير دية صغيرة قدرها عشرة دنانير على الموسيرين ، ودينار على الفقير ، ثم علم ان هناك اربعة الاف اسير لا يجد الواحد منهم دينارا يدفعه فدفع من ماله الخاص ديتهم فخرجوا فى سلام وامان ، حتى الاساقفة خرجوا محملين بمقتنيات الكنائس وفيها تحف من الذهب والفضة فلم يتعرض لهم احد ( 30 ) ، وهكذا من مئات القصص حتى لقد انتقد بعض المؤرخين موقف الناصر صلاح الدين من اطلاق الاسرى على هذه الشاكلة حيث كونوا جيبا قويا فى مدينة " عكا " والتى استقبلت فيما بعد حملة صليبية جديده من البحر ( 31 ) ، اليس هذا النموذج كافيا وحده ليوضح انسانية حضارة الاسلام فى مقابل وحشية وعنف ثقافة الغرب ؟ ، ان القائد العظيم اقتدى برسوله الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) عندما قال لمن اذوه واتباعه وضيقوا عليه وبغوا به القتل : " اذهبوا فانتم الطلقاء " ، وبهذا الخلق الرفيع ارتقت حضارة الاسلام ، ولقنت الغرب – كما يقول احد المؤرخين – البرابرة الغربيين درسا فى الاخلاق كانوا فى اشد الحاجة اليه ( 32 ) .



10 – مشهد من الاندلس الذبيح :

انتجت العبقرية الاسمية فى الاندلس من ايات الحضارة ما يعجز الباحث عن حصره ووصفه ، وتلك الحضارة السامية هى التى وضعت اسس النهضة العلمية والمادية فى الغرب فيما بعد لجانبها العلمى التطبيقى ، فبينما كانت اوروبا غارقة فى الظلمات والجهالة لم يوقظها سوى حضارة الاسلام التى ترفض مبدأ " البخل الحضارى " ، وتطبق معانى التعاون والعطاء والعدالة مع الشعوب ، قال ذلك احد الباحثين الغربيين : " ان اوروبا لتدين بالشيئ الكثير لاسبانيا العربية فلقد كانت قرطبة سراجا وهاجا للعلم والمدنية فى فتره كانت عواصم اوروبا خلالها لا تزال ترزح تحت وطأة القذارة والبدائية ، وقد هيأ الحكم الاسلامى لاسبانيا مكانة جعلها الدولة الوحيدة فلى اوروبا التى افلتت من عصور الظلام " ( 33 ) ، اما " جوستاف لوبون " فيقول : " وقد كانت ترجمات كتب العرب العلمية المصدر الوحيد للتدريس فى جامعات اوروبا نحو ستة قرون . ويمكننا ان نقول ان تاثير العرب فى بعض العلوم كعلم الطب مثلا دام الى الزمن الحاضر . فقد شرحت كتب ابن سينا فى مونبيليه فى اواخر القرن الماضى ... واذا كان تاثير العرب عظيما فى انحاء اوروبا التى لم يسيطروا عليها الا بمؤلفاتهم ، فقد كان تاثيرهم اعظم من ذلك فى البلاد التى خضعت لسلطانهم كبلاد اسبانيا .. ولن يرى الباحث مثالا اوضح من العرب على تاثير احدى الامم فى امة اخرى ، ولم يشتمل التاريخ على ما هو ابرز من هذا المثال " ( 34 ) ، كانت الاندلس اذن هى معبر العلم والفكر الى الغرب وذلك جميعه بفضل القيم الحضارية التى اسستها حضارة الاسلام ، وهذا احد المستشرقين الاسبان يسجل شهادته التاريخية : " ان اسبانيا ما كان لها ان تدخل التاريخ الحضارى لولا القرون الثمانية التى عاشتها فى ظل الاسلام وحضارته فكانت بذلك باعثة النور والثقافة فى اوروبا المجاورة المتخبطة انذاك فى ظلمات الجهل والتخلف " ( 35 ) ، فماذا ياترى كان الجزاء لما غابت شمس الاسلام عن الاندلس ، ودارت الدائرة على المسلمين ؟ ، كانت صفحة حزينة ومؤسفة من تعصب ووحشية الغرب ، ونكتفى هنا بمقولة وحيدة للمؤرخ " جوستاف لوبون " : " يستحيل علينا ان نقرأ دون ان ترتعد فرائصنا من قصص التعذيب والاضطهاد التى قام بها المسيحيون المنتصرون على المسلمين المنهزمين ، انهم عمدوهم عنوة وسلموهم لدواوين التفتيش التى احرقت منهم ما استطاعت من الجموع وهكذا تم قتل وطرد ثلاثة ملايين عربى كانوا يشكلون النخبة الفكرية والصناعية فى اسبانيا ، وهكذا انطفأت حضارتهم الوهاجة التى ظلت تشع على اوروبا منذ ثمــــــانية قرون " ( 36 ) ، ومن اراد الاستزادة فعليه ان يعود للمراجع التاريخية والتى تصف هذه الفترة البائسة فى حياة الانسان ، ليرى ابشع صور من العنف والقسوة المتناهية ضد الانسانية ( والتى جاءوا يبشرونا بها الان ) ، انها المشاهد والتى ما زالت تتوالى طبعاتها القديمة الجديدة حتى الان .



11 –حفظ اماكن العبادة :

والى لقطة اخرى فى ميدان المفارقة التاريخية بين انسانية حضارة الاسلام وعنف ثقافة الغرب ، قد تكون دليلا للاشارة ومعلما على مدى البون الشاسع بين حضارة شامخة البينان ، وثقافة تنفث الحقد والدمار ، فقد سمعنا مؤخرا عن احراق المساجد فى فلسطين والاعتداء على حرمات المقدسات الاسلامية والمسيحية ، ومنها احراق ثلث المسجد الاقصى عام 1996م ، والاعتداء على كنيسة القيامة ، واحراق مسجد صلاح الدين عام 2002م ، وقبلها هدم المسجد البابرى فى الهند لتأسيس معبد هندوسى محله ..وهكذا فياترى كيف كان الحال فى حضارة الاسلام ؟ نكتفى بمثالين : المثال الاول : احد قواد الخليفة العباسى " المعتصم " ( 833:842 ) م امر بجلد امام ومؤذن ، لانهما اشتركا فى هدم معبد من معابد الهندوس ، لتستخدم احجاره فى بناء مسجد مكانه ( 37 ) . والمثال الثانى :عندما اراد " احمد بن طولون " بناء مسجده عام 263 هـ واشار المهندسون عليه بان بناء المسجد فى حاجة الى ثلاثمائة عمود من الرخام وانه لايمكن الحصول عليها الا من الكنائس والمعابد القديمة فابى ان يفعل ذلك واستبدل بتلك الاعمدة دعائم من الاجر تقاوم الحريق ( 38 )



12 – ها انا ذا انتصر لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) :

هكذا طوفنا فى ارجاء معنى الحضارة وبما تفضل به الثقافة عندما تكتمل لها اركانها من عوامل مادية وعوامل انسانية وان افتقاد اى جانب من هذه الجوانب يعنى اننا امام كائنا مشوها يفتقد اساس خلوده وبقائه على قيد الذاكرة والتاثير فى الامم والتاريخ ، ولا تعدو تلك المظاهر الا شكلا باهتا لثقافة تقوم على الاستعلاء والعنف تغلفها مظاهر مادية يطلق عليها بهتانا وزورا انها حضارة .
ويظل العامل الانسانى هو المعيار الحاسم والذى يفرق حضارة الاسلام عن غيره من الثقافات ، فركيزة حضارة الاسلام حفظ كرامة ومصالح الانسان باعتباره الخليفة المكلف باعمار الحياة وصناعة الحضارة ، كما لاتؤمن حضارة الاسلام بالصراع والصدام الحضارى ، بل تقوم على الحوار لا الصدام ، والتفاعل لا الصراع ، وترفض البخل الحضارى ولا تؤمن بنظرية التفوق العنصرى او الاستعلاء الجنسى .


اما الاطار التاريخى فيبدو جليا عند المقارنة وما ازحم صفحات التاريخ من هذه المفارقات الكاشفة ( وقد اكتفينا باشارات موجزه بين ثنايا المقال ) حتى يؤمن المسلم بعظمة وسمو قيمه الاسلامية ويعمل لينهض بها من جديد .
فلايوجد فى تاريخ البشرية جميعه مثل هذه المفارقة المذهلة بين حضارة الاسلام وثقافة الغرب ، وهو الفارق نفسه بين اكتمال اركان الحضارة ، وبين ثقافة مصابه بالجزام ، والفارق نفسه بين الاسلام دين الرحمة والانسانية ، وبين غيره من الشرائع الهمجية ، وهذا البحث هاما فى ظل الظروف الراهنة فى واقع العرب والمسلمين فالغارة على اشدها ( بطريقة رمتنى بدائها وانسلت ) والغرب جاء يبشر امة الاسلام والعروبة بمبادئ الانسانية والديقراطية ستارا لاظافرة المسنونة ولعابه السام لانتهاب حيوتها وارتشاف خيراتها الوفيرة ( وما حديث العراق عنا ببعيد ) .


ان دورنا هو الوعى ، وفهم ان هذه الشريعة الغراء هى شريعة العطاء والرحمة وحقوق الانسان ورعاية الانسانية عموما تستحق منا ان نعمل لرفعة شأنها وتاكيد مبادئها فى جميع مجالات الحياة لنا ، وللعالم اجمع ، وان نعلم ان حضارة الاسلام قادرة على العطاء المتواصل رغم الغارة والضعف الشامل ، فالحضارة الاسلامية ليست تراثا مندثرا ، انما هى حضارة حية متفاعلة " غالبة صامدة " ، وهى طوق نجاة البشرية البائسة ، وان ضياء هذه الحضارة سيغمر العالم من جديد ليعيش ازهى عهوده ، ولن يكون ذلك الا بالجهد الجهيد ، والعمل المتواصل الوثيق ، وبالايمان العميق ، ولله در البطل الناصر " صلاح الدين " عندما اكرم اسراه من الملوك الصليبيين فاعطاهم الماء المثلج فشربوا على الظمأ الشديد بعد شراسة المعارك ، فلما اعطى احدهم الماء للامير " ارناط " الغادر ابى صلاح الدين قال : " ان هذا لم يشرب الماء باذنى " يريد انه لم يصر امنا من عقابه ، وكان ارناط قد سب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ودينه ، بل وارسل حملة على شبه الجزيرة العربية من البحر للعدوان على رسول الله فى مدينته ، ثم قال له صلاح الدين مقولته والتى يجب أن تنقش بحروف من نور فى فؤاد المسلم : " ها انا ذا انتصر لمحمد " فقتله بيده وفاء بنذره ( 39 ) ، وهذا يجب ان يكون شعار المسلم فيطالع تاريخه وحضارته حتى يعتز بها ويقتفى اثرها ، ويعمل على نشر مبادئها فى بيته وعمله ومجتمعه مع طلب الاحر من المولى تعالى ، وان يحسن صلته بالله تعالى طالبا العون والسداد ، وان يدعو معنا الله ( العلى القدير ) ان يحقن دماء المسلمين فى كل مكان ، ودماء البشرية جميعا ، وان يكشف البلاء عن الانسانية ويحفظ اوطان العروبة والاسلام وينصر دينه نصرا مؤزرا ، " والله غالب على امـــره ولكن اكثر الناس لا يعلمون " (40) .



****

13 - هوامش:

( 1 ) ص 66 / نحن والحضارة والشهود ( الجزء الاول ) – د . نعمان عبد الرازق السامرائى – سلسلة كتاب الامة – العدد رقم ( 80 ) – ذو القعدة 1421هـ – وزارة الاوقاف والشئون الاسلامية بقطر.
( 2 ) : ( 5 ) ص 140/ ادب الرحلات – د . حسين محمد فهيم – سلسلة عـــالم المعرفة – العدد رقم ( 138 ) – 1989م ، " بتصرف "
( 6 ) الاية رقم ( 66 ) من سورة القصص .
( 7 ) ص 77 / حتى لا تضيع الهوية الاسلامية والانتماء القرانى – الاستاذ / انور الجندى ( رحمه الله ) .
( 8 ) ص7 / موسوعة " التاريخ الاسلامى " – العلامة / محمود شاكر ( رحمه الله ) – الجزء الاول – " بتصرف يسير " .
( 9 ) ص 15: 16 / كرامة الانسان احدى مقومات البناء الحضارى الاسلامى – د . ابراهيم سليمان عيسى – سلسلة دراسات اسلامية – العدد رقم ( 36 ) – وزارة الاوقاف المصرية – 1419هـ ، 1998م .


( 10 ) ص 60 / الغد المشتعل – د . مصطفى محمود – كتاب اليوم .
( 11 ) ص 68 / الاستعمار احقاد واطماع – الشيخ محمد الغزالى ( رحمه الله ) – دار نهضة مصر للطباعة والنشر .
( 12) سماحة الاسلام – د . محمد عمارة – مؤسسة الفلاح للترجمة والنشر والتوزيع – 2002م .
( 13 ) ص 98 : 99 / الانابيش – الجزء الثانى – عبد الرحمن الضبع – مكتبة الايمان للنشر والتوزيع – " بتصرف " .
( 14 ) ص 63 / سماحة الاسلام / د. احمد محمد الحوفى – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1997م .
( 15 ) ص 33 / الصهيونية والعنف – الرائد / حسين طنطاوى – دار الشعب.
( 16 ) ص34 / الصهيونية والعنف – مرجع سابق . .
( 17 ) ص 39 / الصهيونية والعنف – مرجع سابق.


( 18 ) ص 49 / مجلة منبر الاسلام – عدد شوال 1414هـ .
( 19 ) اليهود والتحالف مع الاقوياء – د . نعمان عبد الرزاق السامرائى – سلسلة كتاب الامة .
( 20 ) ص 13 / حقيقة الغرب – د . مصطفى عبد الغنى – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2001م .
( 21 ) من الايه رقم ( 8 ) من سورة التوبة .
( 22 ) ص 53 : 54 / سماحة الاسلام – د . محمد عمارة - مرجع سابق .
( 23 ) ص 81 / القدس – عبد الحميد الكاتب ( رحمه الله ) – الهيئة المصرية العامة للكتاب – " بتصرف " .
( 24 ) ص 10/ اضواء جديده على الحروب الصليبية – د . سعيد عبد الفتاح عاشور – الهيئة المصرية العامة للكتاب – " بتصرف "
( 25 ) ، ( 26 ) ، ( 27 ) ص 84 / القدس – مرجع سلبق .


( 28 ) ص 85 / القدس – مرجع سابق .
( 29 ) ص 16 / اضواء جديده على الحروب الصليبية – مرجع سابق .
( 30 ) ص 119 / القدس – مرجع سابق " بتصرف " .
( 31 ) الناصر صلاح الدين – د . سعيد عبد الفتاح عاشور " بتصرف " .
( 32 ) ص 32 / اضواء جديدة ...- مرجع سابق – " بتصرف " .
( 33 ) ص 59 / الحضارة الاسلامية وضرورتها للحضارة الغربية – د . احمد شلبى – سلسلة دراسات اسلامية – العدد رقم
( 27 ) – وزارة الاوقاف المصرية – 418 هـ، ، 1998م .
( 34 ) ص 60 / من معالم الاسلام – محمد فريد وحدى ( رحمه الله ) – الهيئة المصرية العامة للكتاب .
( 35 ) ص 17 / الصحوة الاسلامية اليوم فى الاندلس ( جذورها ومسارها ) – كتاب الامة .


( 36 ) ص 18 / الصحوة الاسلامية اليوم ....- مرجع سابق ) .
( 37 ) ص 65 / سماحة الاسلام – د . احمد محمد الحوفى – مرحع سابق .
( 38 ) جريدة الاهرام القاهرية بتاريخ 11-2-1999م .
( 39 ) ص / صلاح الدين الايوبى ( حياته وعصره ) – محمد فريد ابو حديد – الهيئة المصرية العامة للكتاب – " بتصرف
( 40 ) من الايه رقم ( 21 ) من سورة يوسف عليه السلام
kgodaa@yahoo.com
خالد جودة أحمد
قاص وناقد بمديرية ثقافة الجيزة
والمشرف علي عدد من المنتديات الأدبية الألكترونية
ورئيس تحرير أخبار الصالون الأدبي بنادي مدينة 6 أكتوبر
وعضو عامل بعدد من الصالوانت والمنتديات الأدبية
والفائز بعدد من المسابقات الثقافية والأدبية والدينية
posted by arabmag @ 2:07 م   0 التعليقات
غزاة الأحلام - الجزء الثانى
بقلم الكاتب : بوخروفة عمار


المشهد الثاني :

يرتفع الستار فوق المسرح، تظهر قاعة للعرش على جانبي كرسي العرش يقف طفلان و كأنّهما ينتظران ملكًا تكون الإضاءة قوية حتّى يظهر كل من في قاعة العرش.

أمام كرسي العرش وضع سجّاد أحمر مثل السجّاد الذي يمشي فوقه الملوك عادةً و على حافة كرسي العرش و في أعلاه تمّ تطريز تلك الحواف بمختلف أنواع الأزهار.

بعد قليل يسمع صوت الموسيقى عاليًا منذرةً بقدوم ملك أو أمير و بعد ذلك يسمع صوتًا ينادي عاليًا مولاتي جلالة الملكة ياسمين، فينهض كل من كان جالسا في قاعة العرش إجلالا لدخول ملكتهم ثمّ بعد ذلك تظهر الملكة ياسمين في لباس الملوك و التاج فوق رأسها و هي تمشي إلى حيث وضع كرسي العرش بخطًى ثابتة تدل على العظمة و الوقار. تصل إلى كرسي العرش حيث تجلس عليه ثمّ تلوّح بيدها إلى من في قاعة العرش بالإستقامة. ثمّ بعد ذلك يجلس كل من كان واقفا بعد أن تأذن لهم ملكتهم.

بعدأن تجلس الملكة فوق عرشها تبقى تلوّح بعيناها إلى الحاضرين و كأنّها تبحث عن شخص ما تفتقده؛ بينما هي في تلك الحالة إذ يقاطعها أحد مستشاريها قائلاً:

أرى القلق في أعين صاحبة الجلالة فهل تبحث عن شخص معين ؟

الملكة ياسمين : لقد صدقت لقد لاحظت غياب السلم عن مجلسنا و إنّي أسأ ل عن سبب تأخّره لحضور مجلسنا

فهو لم يتأخر يومًا عنّا و عن الجلوس في مجلسنا فأنا لا أحبّ أن أرى كرسيّه فارغًا.

المستشــار : لا داعي لهذا القلق ياصا حبة الجلالة فما غياب السلم عن مجلسك إلا حماية لمملكتنا فهو خارج أسوار مملكتنا باسطًا جناحاه الكبيرتان على مملكة مولاتي حتى يعيش من بداخل المملكة في سلام واطمئنان.

الملكة ياسمين : إنني أنزعج لغيابه عن مجلسنا فأنا أحسّ بالأمان و هو معنا.

المستشار : إن أرادت صاحبة الجلالة بعثنا له رسولا للحضور فورًا إلى مجلسك .

الملكة ياسمين : لا لا داعي لأن تفعل ذلك لأنّ السلم لا يحتاج إلى رسول لكي يحظر مجلسنا فهو يصل إليه إحساسنا بالحاجة إليه من دون أن تفعل ذلك.

بعد ذلك يدخل فارسًا يرتدي لباسًا أبيضا و يحمل بيده سيفا كثير اللمعان و عند دخوله إلى قاعة العرش ينحني إجلالا لتحية الملكة فتقاطعه هي قائلة.

الملكة ياسمين : (بعد أن تنهض على كرسي العرش و يتبعها الجميع في ذلك تقول) : لا تنحني أيها السلم فليس مثلك من ينحي لأحد فنحن من يجب أن ننحي إجلالا لك و بما قدّمته لنا و لمملكتنا من أماني و طمأنينة ننعم بهما في هذه المملكة الامنة ( ثمّ تنحي و يتبعها الجميع في ذلك).

السلم : إنما أنحني إجلالا لك و لسماحك لي بالعيش داخل مملكتك العظيمة و لم تسمحي لا للحرب و الشر بدخولها؛ فهذا ما يجعلني أنحني إجلالا لحكمتك و تسامحك يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين :على ذكر الحرب و الشر فأنا أدعوك أن تحضر محاكمة عادلة تتمنّى حضورها.

السلم : في حق من تكون هذه المحاكمة يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : سوف أترك ذلك مفاجأةً إلى بعد حين و حتّى أنته من برنامج عملي المقرّر هذا اليوم.

ثمّ تنادي على الحاجب أيها الحاجب ما هو برنامج عملنا لهذا اليوم.

الحاجب : ( بعد أن يقوم بإخراج رسالة ) برنامج مولاتي هو كالآتي.

تقيد مستشارك الأول وسام العقل المدبّر داخل المملكة و تقليد المستشارا الثاني وسام الحكمة .

ثمّ تنظر إليهما ثمّ تبتسم و هي تقول : إنكما تستحقاني تلك الأوسمة فهذا أقل شيء أستطيع أن أعبّر لكما به عن إعجابي بما تقدّمونه لي من نصائح و إرشادات.

فمنذ اليوم ( و هي تشير إلى مستشارها الأول ) فلقد أطلقت عليك إسم العقل.

المستشار الأول : ( العقل) إنه لشرف عظيم أن تطلق علي جلالتكم هذا الإسم ؛ فكل ما أتمنّاه هو رضاء صاحبة الجلالة عن النصائح و الإرشادات التي أقدّمها.

الملكة ياسمين : رضانا يكمن في حسن التدبير و التسيير و نوعية الإرشادات التي نسمعها حتّى نتمكن جميعا من حماية مملكتنا من غزو الأعداء و الطامعين فيها من الكبار اللذين يريدون الإستلاء عليها زعما منهم أنهم لا يستطيعون العيش دوننا .

(ثم تنظر إلى المستشار الثاني و تقول ) أمّا أنت فمنذ اليوم فلقد أطلقت عليك إسم الحكمة تقديرًا منّا و إعجابنا بحكمتك و فطنتك.

المستشار الثاني ( الحكمة ) العفو يا صاحبة الجلالة فلن أكون أنا أقل إخلاصا و وفاءًا من العقل لك يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : هذا ما نتمنّاه نحن أيضا أمّا مانطمح له هو الوحدة في كل شيء عقل واحد و حكمة واحدة و سلام مخيّم بجناحيه على مملكتنا .

بعد أن تكمل هذه الجملة يدخل الحاجب و هو يقول

الحاجب : بالباب من يطلب الإذن بالدخول يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : من يكون ؟

الحاجب : إنها طفلة تحمل باقة من الزهور تدعى فاطمة تقول إنها صديقتك.

الملكة ياسمين : ( تقف من على كرسي عرشها و علامات الدهشة بادية على وجهها و هي تقول :

فاطمة !! دعها تدخل في الحين و إياك أن تمنع طفلا من مملكتنا يريد الدخول إلى بلاطنا و الجلوس في مجلسنا. هيّأ إنصرف و أذن لها بالدخول فورًا و لا تنسى أن تعتذر منها .

الحاجب : السمع و الطاعة يا صاحبة الجلالة ثمّ ينصرف.

بعد قليل تدخل فاطمة و هي تحمل باقة من الزهور و حيث تتجه مباشرةً إلى حيث يجلس السلم ثم تنحني إجلالا له و هي تقول.

فاطمة : لقد قطفت هاته الباقة خصّيصا لك أيها السلم فلا أظنّ أنه يوجد في الكون من هو أعزّ و أقرب إلى قلبي منك.

في تلك اللحظة بقاطعها أحد الجالسين في بلاط الملكة و هو يقول : و يحك كيف تجرئين على قول هذا فجلالة الملكة هي التي سمحت للسلم بالعيش داخل مملكتها معزّزا مكرّما حيث لا حرب و لا شر.

الملكة ياسمين : ( بعد أن تنظر إليه ) دعها تقول ما تشاء و لا تقاطعها فهي أصدق منّا نحن جميعا في مشاعرها البريئة التي تكنّها للسلم فما تفعله فاطمة ما هو إلا شيء بسيط تحاول أن تحقق به أحلامها التي لم تستطع تحقيقها في قريتنا حيث كنّا نسكن مع الكبار و نعيش الحرب و الدمار.

فاطمة : إنك أكثر مني فهما فيما أقوم به يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : أجل يا فاطمة إنني أفهمك؛ إنك تحققين بذلك حلمك الذي لم تستطيعين تحقيقه في دنيا الكبار.

و لكن قولي لي من أين اخترت باقتك الجميلة التي أهديتها للسلم.

فاطمة : إنها زهور يا صاحبة الجلالة قطفتها من حدائق مملكتك العظيمة.

فمنها من جمعتها من حدائق الحرية و بعضها من حدائق البرائة و أخرى من حدائق الحب؛ و على العموم فأكثرها قطفتها من حدائق الحب و الحرية.

الملكة ياسمين : لقد أحسنت اختيار باقتك يا فاطمة فلربما لا أجد في مملكتي من هو أحق بك بالإعتناء بتلك الحدائق الموجودة داخل مملكتنا العظيمة.

فاطمة : إنه لشرف لي أن أكون حارسة لتلك الحدائق، فإنك يا مولاتي أكثر فهما للشعور الذي أحمله للسلم و كذلك الحب الذي أحمله لأزهار الحرية و البراءة.

الملكة ياسمين : إمضي يا فاطمة و مرّة ثانية لا أريدك أن تطلبي إذنا للدخول إلى بلاطنا و حاولي أن تعتني جيدا بتلك الحداءق فهي بمثابة كنوزا في مملكتنا.

فاطمة : ( و هي تهم بالإنصراف ) لا أريد أن توصيني صاحبة الجلالة بما هو أقرب إلى قلبي.

الملكة ياسمين : رافقتك السلامة با فاطمة و وفقك الله بما تحلمين دائما.

بعد ذلك يظهر على وجهها فجأةً نوعًا من القلق و الحيرة فيقاطعها العقل و هو يقول

العقل : أرى القلق و الحيرة تعاود ملامح وجهك يا صاحبة الجلالة

الملكة ياسمين : أصبت فطيلة البارحة لم أغفو و لو للحظة واحدة فهناك أخبار و صلتني من خارج مملكتنا تصف لي و ضعية الأطفال هناك

الحكمة : ارجو أن تكون اخبارًا سارة يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : كيف يمكن أن تكون أخبارًا سارّة و أنا أسمع بأنّ أطفالا ما زالوا يعيشون مع الكبار و لم ينظمّوا بعد إلى مملكتنا التي أسّسناها من أجلهم.

الحكمة : إن هذا لا يدعو إلى كلّ هذا القلق و الخوف فكل أطفال العالم يحبون الإنظمام إلى مملكتم لكنّهم ربّما لا يعرفون الطريق إليها. .

الملكة ياسمين : ليس هذا كل ما يقلقني فحسب. .

العقل : إذًا فما الأمر الذي ترك صاحبة الجلالة يبدوا على وجهها كل هذا القلق و الخوف. .

الملكة ياسمين : إن بعض الأخبار التي و صلتني تصف حالة الأطفال في كل من افريقيا و بلاد الهند. .

الحكمة : فكيف كان الوصف يا صاحبة الجلالة. .

الملكة ياسمين : إن الكبار في جنوب افريقيا أصبحوا يزجّون بالأطفال في معاركهم الطّاحنة هناك و يقومون يتعليمهم لغة الحرب و العنف بدل لغة السلم و المحبّة.

العقل : يا للكارثة إنهم حقا أناس مجانين كيف لهم أن يدخلوا أطفالهم في معارك لا ذنب لهم فيها و يعلمونهم لغة القتال و الدمار. إنهم حقا أبرياء و يجب مساعدتهم فورا.

الملكة ياسمين : هذا لا شيء أمام أطفال الهند أيها العقل فهؤلاء مأساتهم أكبر من مأسات أطفال جنوب إفريقيا فإذا قدّر لأطفال جنوب إفريقيا الموت أثناء القتال فهم يموتون مرّة واحدة أما أطفال الهند فهم يموتون في اليوم ألف مرّة.

العقل : كيف ذلك يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : إنني أعني بالظبط أولائك الأطفال الذين يعملون في مناجم الفحم مدّة إثنا عشرة ساعة تقريبا مقابل رغيف خبز لا يسمن و لا يغني من جوع أو بعض النقود التي لا تستطيع سدّ حاجاتهم اليومية.

العقل : إنها حقا لكارثة فكيف يستطيع طفل أن يعمل في مكان مئة رجل و يكافيء في الأخير بهذا العطاء البخس فالأمر فعلا يدعو للحيرة و القلق.

الملكة ياسمين : تنظر إلى السلم و هي تقول ما قول السلم فيما سمع و لماذا أراه صامتا لا يشاطرنا الحديث.

السلم : إنني أعلم بحالة هؤلاء الأطفال يا صاحبة الجلالة و لكنّك كما تعلمين جيّدا إن هؤلاء الصعار الذين جندوا في معارك لا ذنب لهم فيها لا يستطيعون التخلّص مما هم فيه إلا إذا وجدوا مساعدة من أحد.

الملكة ياسمين : أطمع في أن تحقق لي أنت ذلك أيها السلم.

السلم : كيف ذلك ؟ و أنت تدركين مسبقا أنني لا أستطيع أن أكون في مكان فيه الحرب مسيطرا فأطفال جنوب افريقيا يخوضون حروبا بجانب الكبار فكيف تطلبين مني مساعدتهم و الحرب و الشر منغرسين في تقكيرهم و ذواتهم.

الملكة ياسمين : إنني أدرك ذلك جيدا بأنك لا تسطيع أن تكون في مكان يكون فيه الحرب هو المسيطر على عقل الكبير و الصغير سواء.

السلم : إذن فكيف بإمكاني مساعدتهم.

الملكة ياسمين : أن ترسل بجنودك من حمام السلام الذي يعيش بمملكتنا أو أن تدخل أنت بنفسك إلى أحلام هؤلاء الأطفال حتى تمسح من على أعينهم و عقولهم تلك الغشاوة السوداء التى جعلتهم يعتقدون أن الحياة ما هي إلا حروب و معارك و البقاء للأقوى.

السلم : لا لا ! لا أستطيع أن أرسل أبنائي إلى حيث يكون الحرب و الشر أخاف أن يصيب أحدهم بأذى.

و لكنني أستطيع أن أسري إلى عالم أحلام تلك الطفولة البريئة و أمسح عنهم تلك الغشاوة السوداء التي تغطّي عقولهم و إرشادهم إلى طريق مملكتك العظيمة حيث السلم و المحبّة.

الملكة ياسمين : هذا ما كنت أريد سماعه منك أيها السلم. أمّا فيما يخص أطفال الهند فسوف أذهب أنا بنفسي لتحريرهم من عبوديتهم و أعود بهم إلى حيث مملكتنا.

ينهض الجميع و هم في حيرة لما سمعوه و بعد لحظات صمت و الدهشة يبدأ العقل في الكلام.

العقل : لا نستطيع أن نتركك تخوضين هذه المغامرة لوحدك، فلربّما تتعرضين لخطر ما أثناء رحلتك يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : لا تخف أيها العقل فأنا أعلم جيدا الأخطار التي تترقبني.

السلم : إذا سمحت لي صاحبة الجلالة بأن تترك ذلك الأمر لي فبإمكاني أن أرسل أبنائي من جنود السلام إلى حيث يكون هؤلاء الأطفال فلربّما عند رؤيتهم لذلك الحمام و هو يطير حرّا أمام أعينهم يحيي فيهم شعورهم المدفون في نفوسهم بالحرية و الأمان فبهذا يستطيعون كسر قيودهم و الهروب من الجحيم الذي هم فيه و الإنضمام إلينا إلى حيث مملكتك العظيمة.

الملكة ياسمين : نعم الرأي ما رأيت أيها السلم.

السلم : كما أن تسيير شؤون المملكة يحتاج إلى ملكة عظيمة تتميّز بصفاتك.

الملكة ياسمين : أنت على حق أيها السلم سوف أترك الأمر بين يديك.

السلم : أرجوا أن أكون عند حسن ضنّك يا صاحبة الجلالة.

الملكة ياسمين : أيها الحاجب هناك بر نامج عملي شيء مهم يجب أن تسمعه للجميع.

الحاجب: الشيء المهم هو المحاكمة في حق الحرب و الشر و الحصار.

السلم : (بعد سماع ذلك ينهض السلم و يحاول الخروج من بلاط الملكة و هو يقول) لا أريد أن أكون في مكان يكون فيه الحرب يا صاحبة الجلالة فإنّ ذلك يجعلني أعيش في تناقض مع نفسي فهل سمعتي يوما أن الحرب و السلم اجتمع في مكان واحد حتى و لو كان ذلك المكان هو مكان للقصاص.

الملكة ياسمين : إنني أفهم شعورك أيها السلم نحو عدوّك و لكن ما تقوله لا يمكن أن يتحقق في عالم الكبار و لكنّك تعلم جيدا بأن مملكتنا هي في أحلامنا و قلوبنا فلا مانع عندي أن يجتمع السلم و الحرب لكي تحاسبه عمّ اقترفت يداه في حق الأطفال الأبرياء.

السلم : إذا كان هذا ماتراه صاحبة الجلالة فلا مانع عندي من حضور هاته المحاكمة.

الملكة ياسمين : أيها الحاجب أدخل الجناة الثلاثة.

بعد ذلك يقوم الحاجب بإدخال ثلاثة رجال أشدّاء مكبّلين بالسلاسل أحدهم يمثل الحرب و الأخر يمثل الشر أما الثالث فهو رجل طويل القامة قوي البنية مغطّى جسده بالحديد كما وصفته فاطمة من قبل و هو يمثل الحصار.

الملكة ياسمين : قبل أن تبدأ المحاكمة أريد منك أيها الحاجب أن تقوم بالبحث عن فاطمة في حدائق مملكتنا و ان تأتي بها في الحين حتّى تتمكن هي أيضا من القصاص من الحرب و الحصار فما أحوجها المسكينة إلى هذه اللحظة الثمينة. يخرج الحادب ثمّ يرجح على جناح السرعة و برفقته فاطمة.

فاطمة : لقد بعثتي في طلبي يا صاحبة الجلالة عساه خيرا إن شاء الله.

الملكة ياسمين : كل الخير يا فاطمة لكنني أحببت أن تحضري محاكمة عادلة كنت تحلمين بها منذ أن كنا في مدرسة السلام في قريتنا.

فاطمة : محاكمة ! و في حق من ؟ لا أضنّ أنه يوجد في مملكتنا من يقترف ذنوبا يستحق أن يحاكم لأجلها.

الملكة ياسمين : أطلب منك فقط أن تنظري خلفك إلى هؤلاء الجناة و حاولي التعرّف إليهم إذا استطعت.

فاطمة : تدور خلفها ثمّ تقول من هؤلاء يا صاحبة الجلالة؟

الملكة ياسمين : حدّقي جيّدا ألم تتعرّفي على أحدهم أو لم تصفي لي أحدهم من قبل عندما كنّا في قريتنا خاصّة هذا الجاني الذي جسده مغطّى بالحديد.

فاطمة : (بعد لحظة صمت) أجل أجل أظن أنه الحصار كما وصفته لك و هذا هو الحرب أيضا كما كنا نصفه من قبل أمّا هذا (و هي تشير باصبعها إلى الرجل الثالث) فلم أستطيع التعرّف إليه و لا أظنّ أنني و صفته لك من قبل.

الملكة ياسمين : هذا الذي أشرت له هو الشر يا فاطمة و قد حاولوا البارحة التسلّل إلى مملكتنا و لكن حرّاسنا كانوا يقظين حيث استطاعوا القبض عليهم لمحاكمتهم أمام الجميع.

ثم تنظر إلى الجناة و هي تقول تكلّم أيها الحرب و قل لنا لماذا تفعل بأطفال قريتنا ما تفعله من تقتيل و تعذيب، و لماذا تقوم بقصفنا بقنابلك المروّعة حتى تزرع الموت و الدمار داخل نفوسنا، هيّا تكلم و قل لنا ما هي حجّتك في ذلك.

الحرب : لست أنا يا صاحبة الجلالة الذي يوسوس في نفوس الكبار و يزرع في نفوسهم حب التسلط و الزعامة حتى يفعلون بأطفالكم ما يفعلونه.

الملكة ياسمين : و من هو إذن؟

الحرب: إنه الشر يا صاحبة الجلالة هو الذي يوسوس للكبار حتى يتملكهم حب التسلط و الخوف من أن تزول زعامتهم فيقومون بصنعي حتّى أرميكم بقنابلي دون أن أفرّق بين طفل و آخر.

الملكة ياسمين : ماذا تقول فيما سمعت أيها الشر.

الشر : الإنسان يا صاحبة الجلالة ميزه الله عن غيره من الكائنات الأخرى بالعقل فإذا ما استخدم عقله في الخير يصبح الخير صديقه و ابتعد ت أنا عنه أمّا إذا أراد أن يستخدمه في غير الخير فهو يبحث عنّي فيستخدمني في أغراضه الدنيئة كالقتل مثلا.

. الملكة ياسمين : ما هو رأي السلم في ما سمع؟

السلم : أظن أن الكبار مخيرين و ليسوا مسيرين و لديهم عقول ناضجة يستطيعون بها التفرقة بين الخير و الشر.

الملكة ياسمين : صراحة أنا لا أدري أين تكون ضمائرهم عندما يقومون بغزو ديارنا و قتل أطفالنا دون أدنى شفقة.

الحكمة : إنهم يقتلون ضمائرهم يا صاحبة الجلالة في تلك اللحظة فلا يحسّون بتأنييبها عمّ اقترفت أيديهم.

الملكة ياسمين : صدقت أيها الحكمة إنهم أناس لا يحملون في أجوافهم ضميرا حيّا يحاسبهم عمّا يدبّرون ضد الأبرياء و العجزة. ثمّ تنظر إلى الحصار و هي تقول و أنت أيها الحصار ما هي حجّتك في تجويعك لصغارنا و تركهم يموتون جوعا لا يجدون حتى الخبز اليابس ليأكلوه و لماذا تحرق الزرع و تقتل أبقارنا و فوق هذا تمنع علينا دخول الحليب و الأدوية لمرضانا تكلّم ما هي حجّتك فيما تفعله بنا؟

الحصار: ليس ما لدي ما أدافع به عن نفسي يا صاحبة الجلالة فالكبار هم من يصنعونني زعما منهم أنهم يعاقبون الدول التي إخترقت القانون و هدفهم في ذلك هو صنع السلا م في المنطقة التي يفرضونني عليها.

السلم : يقف و هو يتملكه الغضب و يقول تبّا لك و لهم و لما اقترفت أيديهم كيف يستطيعون صنعي بتجويع أطفال أبرياء لا ذنب لهم في لعبة الكبار.

الحصار: لا تلقي علي اللوم أيها السلم فو الله أنني لا أستطيع التمييز بين هذا التناقض في عالم الكبار فكيف يضعوني لتجويع الأطفال و العجزة إدّعاءًا منهم صنع السلام في تلك المنطقة التي أفرض عليها.

الملكة ياسمين : لا تقسم أيها الحصار فمن يقوم بتجويع الأطفال و العجزة لا يعرف قسمًا أو يمينًا.

الحصار : و لكنني أردت فقط أن أوضح لكم شيئا مهمّا و هو انني لست مسؤول عن قتل الأبرياء و جعلهم يموتون جوعا و إنّما المسؤولية الكاملة تقع على عاتق هؤلاء الكبار الذين يحاولون تسيير العالم و السيطرة عليه.

الملكة ياسمين : ما قول العقل فيما سمعه.

العقل : إنني أرى الصواب فيما سمعته من الحصار فالمسؤولية الكاملة تقع على عاتق الكبار و صانعي السلام كما يدّعون. و لكن هذا لا يمنع من القصاص في حق الحرب و الشر و الحصار ما دمنا نعيش في مملكة بنيناها في أحلامنا.

الملكة ياسمين : إنك على حق أيها العقل فمملكة أحلامنا تستطيع أن تضع قوانينًا خاصّة بها و بشعبها لمحاكمة ما يسمّيه الكبار بالمحسوس كالشرّ و الحرب و الحصار. أيها الحاجب اقترب و اقرأ عليهم الحكم الذي ينتظرهم.

.

الحاجب : باسم مملكة الزهور و باسم براءة الأطفال و باسم زهور الحرّية و باسم السلام و باسم صاحبة الجلالة تمّ الحكم على الجناة الثلاثة بالإعدام، و ذلك لما اقترفت أيديهم في حق الأطفال الأبرياء في العالم بأسره و ينفذ الحكم علنًا في ساحة المملكة و أمام الجميع حتى تكونون عبرة لغيركم من الحروب و الحصارات في العالم إنتهى نص الحكم التوقيع خاتم صاحبة الجلالة التاريخ يوم السلم شهر السلم و سنة السلم.

ثمّ تشير الملكة إلى أخذهم إلى ما ينتظرهم حيث يخيم الصمت و تختفي الإضاءة شيئا فشسئا حيث ينهض الجميع و يبدأ الستار في النزول و ينتهي بذلك المشهد الثاني.

المشهــــــــــد الثالـــــــث:

يرتفع الستار على قاعة العرش التي في المشهد الثاني غير أن في هذاالمشهد تكون الإضاءة قليلة بحيث تظهر قاعة العرش و كأنّ الظلام يخيم عليها صنع كرسي العرش من الحديد الصلب بحيث يجلس فوقه ملك ضخم الجثة يرتدي لباس يغلّفه السواد إسمه بار خام من ملامحه يبدو و كأنه في غظب كبير ينظر إلى مستشاريه الثلاثة بنظرة يملأها الغظب و الحقد ينهض من على كرسي العرش و يبدأ في الذهاب و الإياب و هو يقول :

الملك بارخام : الملكة ياسمين الملكة ياسمين تبّا لها و لقومها و لمملكتها تلك أريد الوصول إلى مملكتها حتى و لو مات جميع من في مملكتي.

ثمّ ينظر إلى مستشاريه الثلاثة و هو يقول : ما بالكم صامتون و كأنه على رؤ وسكم الطير؛ ألا تستطيعون إفادتي بحيلة أستطيع بها الإستلاء على مملكة الزهور دون أن أخسر فردًا من شعبها.

المستشار الأول : بإمكانك يا مولاي أن لا تلتجأ إلى الحيلة في سبيل تحقبق ذلك.

الملك بارخام : ( بغضب شديد) و كيف أستطيع الإستلاء على تلك المملكة دون حيلة أيها الأحمق؟

المستشار الأول : بإمكانك يا مولاي أن تحاربهم و تدمّر مملكنهم و تقتل أطفالهم فما يبقى من مملكة الزهور سوى اسمها فقط فنحن نملك من العتاد و الأسلحة المتطوّرة ما يجعلنا أقوى من الملكة ياسمين و مملكة الزهور فلماذ ا يلتجأ مولاي إلى الحيلة و بماذا تفيده في هذا الأمر.

الملك بارخام : يالك من أحمق و غبي أو تريدني أن أقتل مستقبلي بيديّ.

المستشار : كيف ذلك يا مولاي فأنا لم أفهمك جيدا؟

الملك بارخام : أو لم تدري أن الصغار هم مستقبل الكبار و إذا ما قتلناهم جميعا فإننا نقوم بتدمير أنفسنا بأنفسنا، إن تدمير مملكة الزهور كما تقول أيها الغبي يعني ذلك فناءنا فنحن سوف نكبر و نموت و لا يبقى منّا أحد أفلا يعني لك تدمير تلك المملكة أننا نقوم بتدمير مستقبلنا بحيث لا يبقى لنا مستقبل ننشده أو نحارب لأجله و لا تمتدّ جذورنا في هذا العالم أيها الأحمق فاتني بفكرة ثانية أو التزم الصمت.

المستشار الثاني : ربما تكون لديّ فكرة صائبة ترشدنا للإستلاء على مملكة الزهور دون أن نلتجأ للحرب و دون أن نخسر مستقبلنا المنشود.

الملك بارخام : و ما هي هذه الفكرة التي تدور في رأسك أيها الشيطان.

المستشار الثاني : أقترح يا مولاي أننا لو نلتجأ للتفا و ض مع الملكة ياسمين و إقناعها بأننا لا نستطيع العيش دون أطفال و لا هم يستطيعون العيش دوننا فلربما اقتنعت بما سنقترحه عليها و بذلك نستولي على المملكة د ون أن نخسر فردا من شعبها، فأظن أن ما يهمّك يا مولاي هو أن تعيد الأطفال إلى مملكتك حتى تستطيع بذلك السيطرة على العالم بأسره.

الملك بارخام : أصبت أصبت إن همّي الوحيد أن أعيد الأطفال إلى مملكتي فكما تعلم جيّدا أن جنودنا يسقطون الواحد تلو الأخر في هاته المعارك الطاحنة التي نصنعها.

فإن بقينا على هذه الحالة فسوف يفنى شعبنا و لا يبقى فردا واحدا منا يستطيع قيادة المملكة من بعدنا.

المستشار الثالث : ( بعد أن ينظر إلى المستشار الثاني) يقول و في رأيك من هو الرجل الكفيء الذي يستطيع إقناع الملكة ياسمين بالتخلي عن حلمها و الإندماج مع مملكة الكبار بعد أن هجرتها؟

الملك بارخام : أظن أن بخاطري فكرة أستطيع بها إقناع الملكة ياسمين بالإندماج معنا أو التخلي لنا عن مملكتها.

المستشار الأول : و ما هي هذه الفكرة التي تستطيع بها إقناع الملكة ياسمين بالتخلي لنا عن مملكتها و شعبها.

الملك بارخام : إذا أحسنّا إختيار المفاوض الكفىء الذي يستطيع إقناع الملكة ياسمين فإننا سوف ننجح في ذلك كما يجب أن يكون هذا المفاوض له صلة قرابة للملكة.

المستشار الأول : و ما نوع الصلة التي يبحث عنها مولاي؟

الملك بارخام : قلت لك صلة قرابة أيها الأحمق، أو ما فهمت ما أعنيه بعد.

المستشار الأول : لا يا مولاي لم أفهم ما تقصده بعد؟

الملك بارخام : أيها الغبي ألم أقل لك ألف مرّة بأن لا تكثر من أسئلتك التافهة في مجلسي.

المستشار الثاني : أظن أنك يا مولاي لن تجد من هو كفيء بالتفاوض مع الملكة ياسمين سوى أمها فهي أقرب صلة بها و تستطيع التأ ثير على أحلامها و أفكارها.

الملك بارخام : يا لك من داهية أيها المستشار أنت فعلا داهية، فلقد أصبت و أحسنت إختيار المفاوض الكفئ الذي يستطيع التأ ثير على هذه الملكة الغبية التي لم تبلغ السابعة بعد من عمرها و تريد القضاء على مستقبل العالم بأسره.

أنت فعلا مستشار ماكر و داهية في نفس الوقت خذ هذا الو سام إعترافا مني بعيقريتك و ذكائك فمنذ اليوم سوف ألقبك بإسم الماكر أو الداهية، فأنت فعلا تستحق هذا اللقب.

ثمّ يعود و يجلس فوق كرسي العرش و هو يقول هيّا بسرعة فليحضر لي أحدكم بامّها للتفاوض مع ابنتها.

تكون هناك لحظة صمت ثم بعد ذلك يسمع صوت الحاجب و برفقته أم ياسمين.

الحاجب : مولاي ها هي أم الملكة ياسمين كما طلبتها.

الملك بارخام : ( ينهض بعد أن كان يشرب كأسا من الخمر) ينظر إلى أم ياسمين و هو يقول أم الملكة ياسمين أم الملكة ياسمين التي قهرتنا و سرقت أطفالنا و تريد أن تقضي علينا إنها فعلا مفاجأة سارّة أن أراكي في بلاطي.

ثمّ يلتفت إلى مستشاريه رافعا كأسه بيده فلنشرب من نبيذ الحقد نخب قدوم أم صاحبة الجلالة الملكة ياسمين إلى بلاطنا هيّا فانشرب جميعا نخبها ( ثمّ يضحك بصوت مرتفع ).

الأم : ( بعد أن تنظر إليه بنظرة يملأها الإحتقار و الكره) لا أرى ما المضحك في ذلك و إنني لا أدري لماذا استدعيتني إلى بلاطك بالرغم من معرقتك المسبقة لشعوري نحوك و نحو شعبنك.

الملك بارخام : (ينظر إليها و هو يظحك و يقول) لا يهمني ما تشعرين أنت نحوي من حقد أو كره أو غير ذلك فالمهم عندي هو أن تنفذي ما سوف أكلفك به و لا تجادلينني في ذلك.

الأم : و ما الذي تريد أن تكلفني به بالرغم من أنّك تعرف جوابي مسبقا.

الملك بارخام : اولا جوابك يجب أن يكون بالقبول فهذا لا نقاش فيه لأن في ذلك مصلحتك و مصلحة ابنتك فما أريده منك أن تذهبي إلى مملكة إبنتك و تحاولي إقناعها عساها تعود عمّا في رأسها.

الأم : إنه من العجب فعلا أن تطلب مني هذا الطلب؛ فهذا ما بقي لكم سوى أن تسرقوا أحلام أطفالنا أما يكفيكم ما فعلتموه بنا طوال هذه السنين، لقد خرّبتك عقول أطفالنا و أتلفتم برائتهم بحربكم و حصاركم لنا طواال هذه الأعوام، فأصبحوا يتخيلون أشياءًا و يبنون أحلامًا لكي يهربون بها من واقعكم المر.

الملك بارخام : نحن أوّلا لم نفعل بكم شيئا فأنتم من بدأ بالإعتداء على مصالحنا.

الأم : مصالحكم ها ها ها ها، أتسمّون قتلكم لأطفالنا دون أدنى شفقة هو حماية لمصالحكم فبئس المصالح التي تتكلمون عليها و التي كسبتموها بسرقة أراضينا و أراضي أجدادنا فمصلحتكم الحقيقة هي السيطرة على هذا العالم بإسم السلام الذي تزعمونه.

الملك بارخام : (ينظر إليها بنظرة غضب) يالك من وقحة أيتها المرأة فكيف تجرئين على قول ما قلته فنحن لم نعتدي على أحد و إنما نرد على من يريد التعرّض إلى مصالحنا فنحن أيضا ضحّايا في هذه الحرب الطاحنة مثلكم.

الأم : (باستهزاء) يالكم من ضحايا أبرياء حقا تفرضون علينا حصارا دام عدّة سنوات ذهب ضحيته آلاف الأطفال ثمّ تزعمون أنكم ضحايا مثلنا فما أنتم إلا ذئاب هذا العالم فهذا هو المصطلح الحقيقي الذي يليق بكم.

الملك بارخام : (يقترب منها و هو يقول) نحن ذئاب إننا لا نستطيع أكل أحد بل بالعكس فأنتم من تريدون أكلنا أحياء فما نقوم به نحن سوى دفاعا عن مصالحنا و أنفسنا من الظلم و العدوان.

ثمّ يقترب منها أكثر و ينظر إلى وجهها على ذكر الحصار و الحرب أو لا تعلمين أن ابنتك استطاعت بأحلامها أن تتخيل الحرب و الحصار و الشر كبشر مثلنا و تقوم باعدامهم في مملكتها إنها حقا غبية.

الأم : هذ أعرفه فصغيرتي دائما تعتقد أن الحرب و الحصار هما على هيئة بشر أشرار يحبون قتل الأطفال الأبرياء كما أنها تعتقد أن السلم هو فارس كانت تنتظره ليخلصها من شرور هؤلاء.

فهي تحاول بذلك أن تهرب من واقعها المر إلى مملكة أحلامها حتى تستطيع تحقيق شيئا سرقتموه أنتم بحروبكم و حصاركم لنا.

الملك بارخام : إذا أردت حقا أن تستمر مملكة أحلامها فعليك أن تصغي إلى شروطنا التي سوف أمليها عليك كي تنقليها لها حرفيا.

الأم : لا أريد أن أكون طرفا في تحطيم مملكة أحلام صغيرتي فأهون عليّ أن اموت دون أن أصغي إلى مجرم مثلك لم يبقى له من شيء يدمّره سوى أحلام أطفالنا.

الملك بارخام : أيتها الوقحة أو لا تعلمين أنني أستطيع و بإشارة من إصبعي تدمير مملكة صغيرتك التافهة.

الأم : إفعل إن استطعت ذلك.

الملك بارخام : إنك تتحدّينني أيتها الوقحة و يصفعها و تسقط أرضا.

الأم : (تنظر إليه و هي ساقطة على الأرض) إنني أعلم انك تعجز عن تدمير تلك المملكة لأن ذلك يدمّرك شخصيا و يحطّم غرورك فأنت تدرك أكثر مني أن معظم أطفال العالم قد إنضمّوا إلى تلك المملكة فانتم قوم تحرسون على البقاء و الحياة أكثر منا فليس من المعقول أن تتمنّون الموت و الدمار إلى تلك المملكة و أنتم تعلمون أنها تمثل امتدادا لكم فهي بالنسبة لكم المستقبل المنشود.

الملك بارخام : أهذا آخر كلام عندك.

الأم : نعم إنه آخر كلام عندي فلا جدوى من المحاولة معي فلن أكون المفاوض الذي يساعدك على تحطيم أحلام صغيرتي بل بالعكس قسوف أقف ضدّك حتى و إن مزّقتني إربا إربا.

الملك بارخام : (تظهر على وجهه ملامح الغضب فيصرخ قائلا) أيها الحرّاس أخرجوها من هنا فلا أريدها ثانية في مجلسي إنها إمرأة مجنونة لها أحلام تافهة كإبنتها.

ثمّ يدخل اللحارس فيقوم بإخراج أم ياسمين من أمام الملك فيبقى هو في حالة هستيريا و كأنه جُنّ و هو في تلك الحالة يتقدّم منه مستشاره الذي يطلق عليه إسم الداهية و يقول.

المستشار : (الداهية) أظن يا مولاي أنّه لا فائدة ترجى من المحاولة مع أمها.

الملك بارخام : أجل إنها عنيدة كإبنتها و لكن ماا لحل في رأيك؟

المستشار : (الداهية) إنّ الحل عندي يا مولاي.

الملك بارخام : ينظر إليه بدهشة إذن ماذا تنتظر فاتني به فورا.

المستشار : (الداهية) إنه حل أولي يا مولاي فإذا اتى بنتيجة فذاك ما نبغي أمّا إذا لم يأتي بنتيجة فسوف أقترح عليك الحل الثاني.

الملك بارخام : أسمعني الحل الأول ثمّ بعد ذلك فسوف أستمع إلى ما عندك من حلول باقية.

المستشار : (الداهية) أقترح يا مولاي أن نبعث بالسيد وارسن كمفاوض مع الملكة ياسمين فهو أدرى منا بنقاط الضعف التي يتميز بها كل عدو و كذلك فالرجل رجل حرب فهو من كان يقترح علينا الخطط الحربية و كذلك الأماكن التي نستهدفها أثناء قصفنا لأي بلد فهو رجل ذو دماغ حربي و حنكة سياسية و مفاوض جريء يجعل المظلوم في مكان الظالم و الظالم في مكان المظلوم.

الملك بارخام : لا تقل لي إنه ذلك الشخص قصير القامة نحيف الجثة الذي قاد العمليات الأخيرة أثناء قصفنا لمدرسة السلام في تلك القرية و كذلك المستشفى الجامعي، فإن كان هذ هو الشخص الذي يجول في خاطري فهو فعلا الشخص المطلوب يعرف حقّا إصابة الهدف و كأنه خلق لكي يكون قنّاصا لا يخطيء أي هدف أمامه.

المستشار : (الداهية) إنه بأمّ عينه يا مولاي فما قولك أن ترسله كمفاوض إلى مملكة الزهور.

الملك بارخام : (يشير إليه بيده و هو تائها ثمّ يقول) لا تقل شيئا عنه فيكفيني ما أعرفه عنه من مكر و دهاء و خداع فالتخرج فورا و لا تعود إلا و هو معك.

يخرج بعد ذلك المستشار ثمّ يجلس الملك بارخام على كرسي عرشه و هو ينظر إل مستشاريه و الدهشة بادية على وجهه، ثمّ ينادي على الحاجب فيناوله كأسا من الخمر منتظرًا قدوم وارسن و قبل أن يرتشف جرعة من كأسه يسمع صوت الحاجب و هو ينادي.

الحاجب : المستشار الأول بالباب و معه وارسن يا مولاي.

الملك بارخام : (ينزل الكأس من شفتيه و يضعه على المائدة و بعد أن يرى وارسن أمام عينيه يقف أمامه و يحتظنه و هو يقول مرحبا بك يا صانع الآفات و مدبّر الغارات مرحبا بعدوّ السلم و صديق الحرب في مجلسي، مرحبا بك يا وارسن إنك حقا تستحق أن توصف بالماكر فعلا ثمّ يناوله كأسا من النبيذ و هو يقول خذ و تذوّق هذا النوع من الخمر فلقد أطلقت عليه إسما من صفاتك(الخداع) تذوقه يا وارسن و قل لي رئيك.

وارسن : بعد أن يرتشف جرعة من الخمر ثمّ يقول إنه نبيذ نادر الوجود يستحق أن يطلق عليه إسم المكر و الخداع فهذا النوع من النبيذ عند تدوّقه يقوم بخداع من يشربه فيخيّل إلى من يتذوّقه في المرة الأولى أنه ثملا لكن في الحقيقة لا يسكر من يشرب هذا النوع من النبيذ، فطعمه الرّائع يجعل الناس يشربون منه بكثرة دون أن يختل توازن أحدهم حتى و لو شرب إلى الصباح.

الملك بارخام : ها ها ها ها أظنّ بأنك لست خبيرا بوضع الخطط الحربية و التفاوض مع الأعداء فقط و إنما أنت تحسن التفاوض مع أنواع الخمور كلها.

وارسن : إنها الخبرة يا مولاي من تفرض علينا هذا.

الملك بارخام : لهذا الغرض قمت باستدعائك لكي تكون رسولي و مفاوضي لدى الملكة ياسمين حيث لا تخرج من قصرها إلا و انت تحمل جوابا قاطعا بالإيجاب في عملية الإنظمام إلى مملكتنا.

وارسن : باستخفاف الملكة ياسمين أليست تلك الملكة التي لم يتجاوز سنها السابعة بعد و استطاعت أن تؤسّس مملكة إنظمّ إليها الملايين من أطفال هذا العالم.

الملك بارخام : إنها هي تلك الغبية التي استطاعت أن تسرق مستقبلنا نحن الكبار و تمنعنا من التقرّب إلى مملكتها.

وارسن : يقال انها أعند من الصخر خاصة فيما يخص التنازل عن شبر واحد من مملكتها للكبار فهي تعتقد أن تلك المملكة التي أسّستها هي بمثابة ضربة قاضية للكبار حتى ننتهي و لا يبقى لنا بذلك تاريخ يذكر و لا مستقبلا ننشده.

الملك بارخام : فعلا إنك على حق و هذا ما يؤرّقني و يزيد من خوفي لأنني لا أستطيع محاربة تلك المملكة خوفا على ضياع مستقبلنا.

وارسن : و من قال أنك سوف تحاربهم فمن الجنون أن يدمّر المرء مستقبله بيده، فيجب إقناعها بالتفاوض و الحيلة و إذا لم ننجح فيجب قتلها هي فقط ثمّ نستولي على المملكة.

الملك بارخام : لو كنت أستطيع قتلها كما قلت لما استدعيتك للتفاوض معها.

وارسن : أتمنّى أن أستطيع إقناعها في هذا الأمر يا مولاي.

الملك بارخام : ( بلهجة غضب) بل يجب أن تقنعها فلا يجب أن تعود إلى بلاطي إلا و أنت تحمل جوابا من المملكة بالموافقة و إلا فإنك ستخسر روحك في سبيل عدم تحقيق ذلك.

وارسن : أتمنى أن أكون عند حسن ظن مولاي فناولني رسالتك التي سأحملها للملكة.

الملك بارخام : (بعد أن يقوم بإخراج رسالة) خذ هذه الرسالة التي تحمل كل مطالبنا نحن و إياك أن تعود لي و انت تحمل جوابا بالرفض فكما قلت لك فإن في ذلك هلاكك.

يخرج وارسن من البلاط ثمّ يعود الملك إلى كرسي العرش فيحمل كأسه عاليا و هو يقول للحاضرين أمامه فلنشرب نخب وارسن و نخب المملكة التي سوف تكون لنا بعد ساعات فقط، فلنشرب نخب الحلم الذي بعد لحظات يكون حقيقة فيرفع الجميع كؤوسهم فتنقض الإضاءة شيئا