بقلم: عزام توفيق أبو السعود*
إلى أين وصلنا؟ أين نحن الآن؟ ما هو المستقبل؟ ثلاثة أسئلة تحتاج الى أجوبة:
وصلنا إلى نقطة لا نحسد عليها، غزو جديد للقطاع، استباحة تامة للضفة، قصف مدفعي وغارات وهمية وحقيقية، نشطاء يتم اغتيالهم أو سيتم البحث عنهم لاغتيالهم او اعتقالهم، رئيس سلطة في ورطة صعبة، يحاول توفيق الوضع في ظل ازدواجية في الايدولوجيات والأساليب والمفاهيم أتت بها ديمقراطية حقيقة أوقعته في "حيص بيص"، ورئيس وزراء في ورطة أخرى يحاول إمساك العصا من منتصفها، يغازل الرئاسة ويتلقى الضربات ويحاول شد أزر نفسه بالإيمان، يرفضه العالم الدولي القوي، ولا يعجب دول الجوار، ثلث الشعب معه، وثلث الشعب يريدون أن يأخذ فرصته لكنهم لا يدعمونه إلى ما لا نهاية، وثلث الشعب يعاديه صراحة أو بشكل مبطن!
أما الشعب، فقد وصل إلى مرحلة يقول فيها "أكتر من القرد ما مسخ الله"، أو كما قال لي صديق من غزة اتصلت لأطمئن عليه: "الحمد لله أن الأزمة الحالية أوقفت قتلنا لبعضنا البعض، وأصبحنا نُقتل فقط من عدونا"!
نحن الآن في مرحلة نعود فيها إلى أيام العصور الوسطى، تحالفات واهية بين بعضنا البعض عندما نرى خطرا خارجيا، فإذا زال الخطر، عدنا إلى الخصام والى حسابات ملوك الطوائف في الأندلس، ميثاق الشرف الذي صغناه أيام الانتخابات، لم نطوره إلى ميثاق للتعامل بين بعضنا بعد الانتخابات، وافقنا على صيغة التوافق الوطني في ظل تهديد خارجي عاصف، لكننا نعرف أن وثيقة الوفاق الوطني هذه مجرد قشة أصغر من ورقة التوت تغطي عوراتنا، وستطير مع أول زوبعة حتى ولو كانت في فنجان.
أكثر من مائة يوم مرت على الحكومة، لا نستطيع أن نقيِّم فيها أدائها لأنها لم تفعل شيئا يمكن أن نقيمها على أساسه، فرض عليها عزل سياسي ومالي وضغط من كل الجهات، لم تتمكن من العمل لنرى خيرها من شرها ونحكم عليه بعدها، ولن تعطى الفرصة للعمل في الوقت المنظور، والحكومة تكابر على نفسها، ولديها أمل وقوة إيمان وصبر، لا يواكبهم شيء ملموس على الأرض أو بوادر لإمكانيات لأن يتحول الأمل إلى عمل.
الحكومة تعتقد أن الصبر سيوصلنا في النهاية إلى ما نريد، لأن العالم سيتقبلنا في النهاية، وسنحل مشاكلنا، لكن ذلك لا يقنعني كثيرا، لأن العالم يفكر فينا على نحو آخر، ليس لتقبلنا والرضوخ لنتائج إفرازات ديمقراطيتنا، ولكن لزيادة تمزيقنا، أصبحوا يفكرون في كيانين فلسطينيين اثنين، واحد في غزة والآخر في الضفة، وكلاهما ممزق ومثخن بالجراح وليس لديه أية مقومات لدولة حقيقية، لا يريدون تواصل الضفة مع القطاع، ويتعاملون الآن مع كيانين فلسطينيين مختلفين ولكل منهما حسابات لهذا التعامل، حكومة لـ"حماس" في القطاع وحكومة لـ"فتح" في الضفة!
وعند الحديث عن كيفية الخروج من النفق المظلم، لا نرى أي بصيص من نور إن استمر وضعنا على ما هو عليه، لا استفتاء ولا وثيقة توافق وطني يمكنها أن تستر عوراتنا، لأنها وقتية أو لحظية، واهم كل من يعتقد أن الاتفاق والتوافق حقيقي ودائم، انه فقط محاولة أولية للخروج من أزمة، انه هدنة مؤقتة بين القوتين الداخليتين الأكبر في بلادنا، قوة "حماس" وقوة "فتح"، لا يجب علينا أن نخدع أنفسنا، ذلك أن الصراع بينهما لن يسكن وسيعود للظهور في القريب العاجل.
لن يخرجنا من هذا النفق المظلم إلا تيار وسطي يحكمنا، حزب ثالث يمكن أن يقود مجتمعنا إلى الحياة، بكرامة وإيمان ونزاهة ومنطق. يتمحور فكره حول الدين والوطنية والإصلاح، ولكن دون مغالاة أو تحذلق، منطلقين من الآية الكريمة: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا"، فالوسطية هي الأساس، وهي من تعاليم الدين، ومن انتخبوا "حماس" في الانتخابات السابقة، لم يكن معظمهم ممن ينتمي لـ"حماس"، لكنهم انتخبوا حماس لأنهم يعتقدون أن المتدينين أكثر نزاهة وأمانة من غيرهم ، أو انتخبوهم لأنهم شعروا أن الفساد قد تغلغل في منهجية فتح الإدارية، ومجتمعنا في غالبيته متدين سواء كان مسلما أو مسيحيا، لكنه ليس متزمتا، والعودة لتعاليم الدين الاسلامي أو المسيحي هي دعوة روحانية اساسها حسن التعامل بين الناس، والحفاظ على الأخلاق، والنزاهة والامانة والاخلاص في العمل، والتسامح وحل المشاكل بالحسنى، دون اقتتال داخلي، أو صراع أساسه المصالح والمناصب.
قضيتنا الحالية سيتم حلها، وسنعد خسائرنا ومكاسبنا (إن وجدت) بعدها، وسنعود للصراع فيما بيننا، الكل يريد اسقاط الكل، والكل يرى أنه على حق. ونحن كشعب نعرف أن حلول البندقية لن توصل الى شيء، فبنادقهم لن تجعلنا نركع ونستكين ونتخاذل، وبنادقنا لن تؤثر فيهم، ومشوارنا طويل وصعب وشاق، ونحن الأضعف في مجال القوة والتأثير، في ظل عالم القوة الوحيدة التي تناصرهم وتعادينا.
لنعمل من أجل مستقبل أفضل فيه توحيد لجهودنا، نحن لا نريد أن ننظر الى الخلف، ولا نريد أن نذهب الى اليمين ولا الى اليسار، نحن نريد أن نسير فقط الى الأمام، وبشكل حثيث دونما تنازل عن حق، ولن نتمكن الا اذا كنا أمة وسطا، كما أراد لنا الدين أن نكون، ولذلك فان هذه دعوة لتكوين حزب وسط، يكون ديني الانتماء، فلا يخرج عن تعاليمه، ولكن دون تزمت أو تشدد، منطلقين من أن الدين يسر وليس عسر، ويكون هذا الحزب وطني الطابع، فلسطيني الوجه والمضمون، فان مثل هذا الحزب، سيكون الأقدر على قيادتنا الى بر الأمان في المستقبل، هذا اذا أردنا أن يكون لنا مستقبل، ذلك أن علينا أن نعمل لغد، وليس فقط للخروج من أزمة وقتية حتى ولو كانت صعبة.
* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة القدس.
|